
للإستماع ومشاهدة الحوارية، مسح رمز الإستجابة السريع أدناه:
27-يناير-2025م
تلخيص: المهندس/ عمر سالم الحبيشي
للإستماع ومشاهدة الحوارية، مسح رمز الإستجابة السريع أدناه:
العناوين الرئيسية للحوارية
| ر.م | المُداخـــــــلات | رقم الصفحة |
| مقدمة (مُدير الحوارية): الدكتور يوسف الصواني | 4 | |
| مداخلة للدكتور أحمد الجهاني | 6 | |
| مداخلة الأستاذ أحمد المسلاتي | 9 | |
| مداخلة الدكتور علي سعيد البرغثي | 11 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 14 | |
| مداخلة الدكتور محمد الشحاتي | 16 | |
| مداخلة الدكتور أحمد عتيقة | 19 | |
| مداخلة الأستاذ محمد الصافي المنفي | 22 | |
| مداخلة المهندس أحمد عون | 25 | |
| مداخلة الدكتور منذر الشحومي | 27 | |
| مداخلة الدكتور محمد أبو سنينة | 30 | |
| مداخلة الدكتور عزيز الدين عاشور | 33 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 36 | |
| مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي | 38 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 40 | |
| مداخلة الدكتور محمد الصغير | 42 | |
| تعليق الدكتور يوسف الصواني | 45 | |
| تحليل ختامي للحوارية مداخلة المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار | 47 |
مقدمة الدكتور يوسف الصواني (مدير الحوارية)
السياق الدولي: صراع القوى وإعادة رسم النظام العالمي
يمثل القرار 2769 الصادر عن مجلس الأمن عام 2025 محطة هامة في مسار التحولات الجيوسياسية، حيث يأتي في إطار إعادة تشكيل النظام العالمي، وسط تصاعد الصراع بين القوى الكبرى، فالعالم وفقاً للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، محكومٌ بالمصالح والتنافس المستمر، وليس بالمثل والمبادئ، وهنا تبرز الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن، كأدوات تُستخدم ضمن هذا التنافس، أكثر من كونها جهات محايدة لصنع السلام.
الأبعاد السياسية: تأثير القرار على المشهد الليبي
على المستوى السياسي، يمثل هذا القرار إمتداداً لمساعي الأمم المتحدة في إدارة الأزمة الليبية، مع التركيز على المسار السياسي ودور بعثتها في البلاد، ويطرح القرار تساؤلات حول طبيعة التدخل الدولي وحدود تأثيره على مستقبل ليبيا، خاصة في ظل وجود قوى إقليمية ودولية متنافسة على النفوذ داخل البلاد.
الأبعاد الاقتصادية: النفط في قلب المعادلة
من زاوية اقتصادية، يبرز النفط كأحد المرتكزات الأساسية لهذا القرار، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه ليبيا في سوق الطاقة العالمي، فالنفط والغاز لا يمثلان فقط المورد الرئيسي للاقتصاد الليبي، بل هما أيضاً عامل جذب للقوى الكبرى التي تتسابق لضمان نفوذها في البلاد، ويُتوقع أن يكون للقرار إنعكاسات مباشرة على إدارة القطاع النفطي، وعلى الاستثمارات الدولية فيه، فضلاً عن تأثيره في تدفقات الإيرادات وإستقرار الأسواق.
الأبعاد الأمنية والدفاعية: ليبيا كحارس لحدود أوروبا
من منظور أمني، تؤكد الإستراتيجية الدولية أن ليبيا تلعب دوراً مزدوجاً: فهي من جهة تعتبر خزاناً للطاقة، ومن جهة أخرى تُعد خط الدفاع الأول للإتحاد الأوروبي في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة، هذا البُعد الأمني يجعل ليبيا محوراً في الحسابات الأوروبية، وهو ما يفسر جزءاً من التدخلات الدولية في الشأن الليبي.
الإستراتيجية الأمريكية: قرن أمريكي بأي ثمن؟
يأتي القرار أيضاً ضمن الرؤية الأمريكية لعالم أحادي القطبية، حيث تسعى الولايات المتحدة، وفقاً لتصريحات الرئيس دونالد ترامب، إلى فرض هيمنتها المُطلقة في القرن الحادي والعشرين، دون إعتبار للتكاليف الإنسانية أو الأخلاقية أو البيئية، وفي هذا السياق تبقى ليبيا إحدى الساحات التي تشهد إنعكاسات هذه السياسة، سواء من خلال التنافس (الأمريكي-الروسي)، أو عبر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية حولها.
الأسئلة الإستشرافية: إلى أين تتجه ليبيا؟
يثير هذا الواقع مجموعة من التساؤلات الاستراتيجية حول مستقبل ليبيا في ظل القرار 2769:
- كيف سيتم توظيف هذا القرار في إعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي؟
- ما إنعكاساته على الاقتصاد، وخاصة على قطاع النفط والاستثمارات الدولية؟
- إلى أي مدى يمكن لليبيين فرض إرادتهم في ظل هذا التداخل الدولي المعقد؟
خاتمة: نحو قراءة معمقة
القرار 2769 ليس مجرد وثيقة أُممية، بل هو مؤشر على ديناميكيات كبرى تتجاوز ليبيا لتطال إعادة رسم التوازنات الدولية.
ومن هنا، فإن فهم أبعاده والإستعداد لتداعياته يمثلان ضرورة وطنية، ليس فقط من أجل إدارة الأزمة الراهنة، بل أيضاً لضمان دور فاعل لليبيا في مستقبل النظام الإقليمي والدولي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة للدكتور أحمدالجهاني:
- السياق التاريخي والإشارات الرمزية
يرى الدكتور أحمد الجهاني أن القرار 2769 يأتي في سياق تاريخي حافل بالإشارات الرمزية، حيث يربطه بفكرة الإستمرارية القسرية التي تشبه طبيعة العلاقة بين ليبيا ومجلس الأمن، وهو ما يعيد إلى الأذهان إستعارة "فندق كاليفورنيا" التي تعكس عدم القدرة على الخروج من المنظومة الأممية رغم المحاولات المتكررة.
- الجهد الدبلوماسي والتوازنات السياسية
القرار جاء بعد سلسلة من المشاورات، حيث تم تقديم سبع مسودات قبل إعتماده.
الإمتناع الروسي عن إستخدام الفيتو يُشير إلى تفاهمات ضمنية، ربما ضمن إطار توازن القوى بين روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
تعيين "حنا تيتا" رئيساً للبعثة الأممية قد يكون جزءاً من هذه التفاهمات، في ظل سياسة "الإلهاء" التي قد تتصل بقضايا التدريب العسكري.
- الإشكاليات القانونية والسياسية
يرى الدكتور أحمد الجهاني أن العلاقة مع الأمم المتحدة يجب أن تكون مشروطة، حيث رفض إتفاقية التأسيس لغياب "الشرط المسبق".
العلاقة مع مجلس الأمن تحولت إلى "رعاية" وليست "وصاية"، مما أضعف قدرة ليبيا على فرض أجندتها السياسية.
الإحاطات الأممية أصبحت "عنوان الحقيقة" بشأن ليبيا، لكنها أدت إلى حالة من التشرذُم السياسي دون تحقيق تقدم ملموس.
في القانون الدولي، تواجه ليبيا "المأزق المستحيل" (Catch-22)، حيث لا يمكنها الخروج من الإشراف الأممي إلا إذا رأت البعثة أنها مؤهلة لإجراء إنتخابات، مما يخلق حلقة مُفرغة تتحكم فيها البعثة الأممية.
- الأبعاد المالية والاقتصادية
- تجميد الأصول:
- تبلغ قيمة الأصول المجمدة في "يوروكلير" بين 15 إلى 17 مليار دولار، بالإضافة إلى 20 مليار دولار في المصرف المركزي الليبي.
- تم تحويل السندات قصيرة الأجل إلى نقدية وفق شروط ثابتة، مما يعكس سياسة مالية محافظة.
- النظام المالي:
- تطبيق نظام التراخيص المالية لضبط التعاملات.
- وضع ضمانات مالية لحماية الأموال الليبية.
- مواجهة مشكلة الخلط بين الأدلة القانونية، والتي قد تؤثر على إسترداد الأموال المجمدة.
- الجانب الأمني والدفاعي والعسكري
حظر توريد الأسلحة:
يبدو أن هناك توجهاً نحو تحقيق "توازن" جديد قد يسمح بإعادة التسلح وفق آليات لم تُحدد بعد، وهو أمر يبقى محل نقاش بين الخبراء العسكريين.
حظر السفر وتجميد الأصول:
من الناحية القانونية، تحول تجميد الأصول من عقوبة إلى إجراء وقائي لحماية الأموال الليبية من الاستخدام غير المشروع.
إعتماد "نظام الترخيص"، لكنه واجه إنتقادات بسبب عدم التوازن في تقييم الأصول، خاصة السندات قصيرة الأجل التي تحولت إلى نقدية.
التجاوزات النفطية:
- بيع النفط خارج الإطار القانوني يمثل إشكالية خطيرة، حيث أن العقود غير المدرجة رسمياً ("Unlisting") تفتح الباب أمام تهريب الثروة الوطنية.
- إستمرار العمل بنظام المقايضة ساهم في هذه التجاوزات، ما يستدعي مراجعة صارمة لمنظومة التعاقدات النفطية.
- الأبعاد القانونية الدولية
مجلس الأمن وآلياته:
- تأسس مجلس الأمن ضمن إطار "الأمن الجماعي" بعد الحرب العالمية الثانية، لكن آلية "حق النقض" (الفيتو) لا تزال تعرقل قرارات حاسمة.
- إستمرار عمل "لجنة الخبراء" حتى مارس 2026 يؤكد أن القرار 2769 لن يكون الأخير في سلسلة الإشراف الدولي على ليبيا.
تفسير القانون الدولي:
- القانون الدولي لا تحكمه سلطة مركزية، بل يعتمد على العرف والتراكمات التاريخية.
- وضع ليبيا تحت "نظام ذو طبيعة فريدة" (Sui Generis) جعلها في حالة من التبعية غير المسؤولة، حيث يتم تفسير وضعها القانوني بطريقة تمنعها من إستعادة سيادتها الكاملة.
- الخاتمة والتوصيات
- القرار 2769 يمثل "إختراقاً دبلوماسياً" لكنه لا يحل المشكلات الأساسية، خاصة في الجوانب المالية والعسكرية.
- المطلوب هو تعزيز الشفافية، وضمان مُلكية وطنية للقرارات المتعلقة بليبيا، بدلاً من أن تبقى خاضعة لإملاءات خارجية.
- ضرورة معالجة الإشكاليات القانونية والاقتصادية التي تُبقي ليبيا في حالة من التعليق السياسي والاقتصادي، ومنع إستغلال الموارد الوطنية من قبل قوى خارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ أحمد المسلاتي
أولاً: البعد السياسي والقانوني
يأتي القرار 2769 كجزء من سلسلة طويلة من قرارات مجلس الأمن بشأن ليبيا، والتي بلغت 48 قراراً منذ 2011، غير أن فعالية هذه القرارات لا تزال محل تساؤل، نظراً لإستمرار الإنقسام السياسي وعدم تحقيق الإستقرار، ورغم صدوره تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن القرار يفتقر إلى آليات تنفيذية حقيقية، مما يجعله إمتداداً لقرارات سابقة لم تحقق أثراً ملموساً.
ثانياً: الغموض القانوني والتناقضات في القرار 2769
إطار قانوني غامض: يصف القرار الوضع في ليبيا بأنه تهديد للسلم والأمن الدوليين، لكنه لا يحدد آليات واضحة للتنفيذ.
إزدواجية في التعامل مع المؤسسات العسكرية: الإشارة إلى "رئيسين للأركان العامة" تعكس تناقضاً في موقف الأمم المتحدة، التي تعترف بحكومة الوحدة الوطنية فقط.
عدم وضوح الإشراف على الرقابة: لم يحدد القرار الجهة الحكومية المُكلفة بالإشراف على تنفيذ تدابيره.
مرونة في العقوبات: بدلاً من فرض عقوبات حازمة على معرقلي الإنتخابات، إستخدم القرار صياغات مرنة لا تُلزِم بتطبيقها.
قيود على استثمار الأموال المُجمدة: القرار يسمح بإستثمار الأموال الليبية المُجمدة، لكن فقط في الدول التي تحتفظ بها، مما يحد من الفوائد الاقتصادية المحتملة.
ثالثاً: الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية والنفطية
رغم إشارته إلى تهريب الوقود والنفط، فإن القرار لم يقدم حلولاً عملية لوقف هذه الأنشطة غير القانونية، مكتفياً بإعادة التأكيد على قرارات سابقة مثل القرار 2146 بشأن تهريب النفط والقرار 2626 لسنة 2022 حول إدارة الموارد المالية.
القيود المفروضة على استثمار الأموال المُجمدة تمثل عائقاً أمام الإستفادة منها في إعادة الإعمار والتنمية.
رابعاً: الأبعاد الأمنية والدفاعية والعسكرية
يتناول القرار قضايا مثل حظر توريد الأسلحة وتصاعد الأنشطة الإرهابية، لكنه لا يتضمن تدابير حقيقية لمنع تدفق الأسلحة إلى الأطراف المتصارعة.
لم يحدد القرار دوراً واضحاً للمؤسسات الأمنية الليبية في ضبط الأوضاع، كما لم يضع آليات رقابة فعالة لمنع التهريب والإنتهاكات الأمنية.
خامساً: المقارنة مع القرارات السابقة
لا يحمل القرار 2769 أي تقدم نوعي مقارنةً بقرارات سابقة، إذ يكرر نفس القضايا دون تعزيز آليات التنفيذ، مما يحد من تأثيره على الواقع الليبي.
الخاتمة: قرار مهم لكن غير كافٍ
رغم أهمية القرار في إعادة التأكيد على القضايا الجوهرية، إلا أنه لا يمثل تحولاً نوعياً، نظراً لغياب آليات التنفيذ الفعلية، ويظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه القرارات إلى إجراءات مُلزِمة، بدلاً من أن تبقى مجرد نصوص قانونية غير مُفعلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور علي سعيد البرغثي
مقدمة
يتناول الدكتور علي سعيد البرغثي بالتحليل قرار مجلس الأمن رقم 2769 المتعلق بالأزمة الليبية، مشيراً إلى ضرورة تفكيك دلالاته السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، لا سيما في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، ويؤكد أن القرار، رغم مظهره التقليدي، يحمل في طياته أبعاداً تستدعي وقفة مُعمقة.
الأبعاد السياسية والجيوسياسية
- توقيت القرار ودلالاته الدولية
يأتي القرار في سياق دولي متغير، حيث يشهد العالم تحولاً في موازين القوى وصراعاً على النفوذ بين الدول الكبرى، هذا التوقيت يعكس عدم إتفاق القوى الفاعلة بشأن ليبيا، إذ إنتقل المشهد من الغموض إلى الخلاف الصريح، ما يثير التساؤلات حول مدى تعبير القرار عن إرادة جماعية حقيقية.
- البُعد الإقليمي: دور تركيا ومصر
يُلمح القرار إلى إستمرار النفوذ الإقليمي، خاصة لتركيا ومصر، دون فرض تغيير جذري، فالحفاظ على الوضع الراهن يخدم مصالح القوى الدولية، إذ يسمح بإستمرار تدفق السلاح وتعزيز التحالفات الإقليمية دون إحداث إختلال كبير في موازين القوى.
الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية والنفطية
- إنعكاسات القرار على الاقتصاد الليبي
يرتبط القرار بشكل وثيق بالمتغيرات الاقتصادية، خاصةً في ظل التوقعات بإنخفاض أسعار النفط عالمياً، يُضعف هذا التراجع قدرة ليبيا على التعافي الاقتصادي، مما يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن حلول مؤقتة لإعادة تنشيط المشهد السياسي، ولو بقرارات ذات طابع مرحلي.
- الأموال الليبية المجمدة وسيناريو "النفط مقابل الغذاء"
إحدى النقاط البارزة في القرار هي التطرق إلى إمكانية إستخدام الأموال الليبية المُجمدة، وهو ما قد يكون مؤشراً على تحضيرات لتمويل إحتياجات مستقبلية، أو تطبيق سيناريو مشابه لـ "النفط مقابل الغذاء"، بحيث يتم التحكم في العائدات النفطية لتغطية نفقات محددة.
الأبعاد الأمنية والعسكرية والدفاعية
- ليبيا تحت مظلة الفصل السابع
يشير القرار إلى أن ليبيا لا تزال مصنفة كدولة تهدد السلم والأمن الدوليين، ما يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية بحجة حفظ الإستقرار.
- تصنيف الإرهاب كعنصر رئيسي في الأزمة
يتضمن القرار إشارة خطيرة إلى الإرهاب كعامل رئيسي في المشهد الليبي، وهو ما قد يُستخدم كمُبرر لعمليات عسكرية مستقبلية أو فرض إجراءات أمنية مُشددة من قبل قوى دولية وإقليمية.
- تخفيف حظر الأسلحة وإحتمالات التصعيد العسكري
لم يقتصر القرار على السماح جزئياً بتوريد الأسلحة، بل منح المرونة في إستخدامها، إلى جانب تسهيل دخول المعدات العسكرية، هذه التعديلات تفتح المجال أمام تحركات عسكرية مُحتملة، قد تُعيد تشكيل الخارطة الأمنية والعسكرية في ليبيا خلال المرحلة المُقبلة.
الأبعاد القانونية والاجتماعية
- الغموض القانوني بشأن الإنتخابات
رغم أن القرار يُشير إلى الإنتخابات كحل سياسي للأزمة، إلا أنه لم يُحدد معايير واضحة لها، ما يعكس عدم وجود إرادة دولية حقيقية لإنهاء الأزمة عبر المسار الديمقراطي، ويثير الشكوك حول مدى إمكانية تحقيق إنتخابات حرة ونزيهة في ظل سيطرة قوى الأمر الواقع.
- التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع الليبي
حالة الجمود السياسي والتدهور الاقتصادي تضع المجتمع الليبي في مواجهة ضغوط معيشية متزايدة، ما يُعزز الهجرة غير الشرعية، ويفتح المجال أمام تنامي الأزمات الاجتماعية كنتيجة مباشرة للفوضى السياسية.
الخاتمة
لا يُنظر إلى القرار 2769 كمجرد خطوة لمعالجة الأزمة الليبية، بل كجزء من توازنات دولية تتجاوز حدود ليبيا، فبينما يُروج له كداعم للحل السياسي، تبقى ملامحه غامضة، ما يفتح الباب أمام إستمرار الصراع.
والانتخابات، التي تطرح كحل، تبدو مجرد غطاء سياسي دون آليات واضحة للتنفيذ.
من هنا، تبقى الحاجة قائمة لتحليل أعمق ضمن إطار السياسات الدولية والإقليمية، لفهم الأبعاد الحقيقية لهذا القرار وتداعياته على مستقبل ليبيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
الجوانب القانونية والتشريعية: إشتباك قد يُنذر بتطورات خطيرة
يعكس القرار الأُممي الأخير حالة من التوتر القانوني التي قد تؤدي إلى تطورات خطيرة في المشهد الليبي، فمنح تفويض الرقابة للدول الأعضاء في مجلس الأمن لا يقتصر على ضبط تدفق الأسلحة، بل قد يفتح الباب أمام تصعيدات قانونية، خاصةً مع تعدد الفاعلين الإقليميين الذين يرتبطون مباشرة بملف التسلح داخل ليبيا، هذه التداخلات تضع الإطار القانوني للقرار في مواجهة تحديات حقيقية، لاسيما فيما يتعلق بالسيادة الوطنية والشرعية القانونية للتدخلات الخارجية.
البُعد العسكري والأمني: تصاعد تدفق الأسلحة وتعاظم النفوذ الإقليمي
يُشير القرار إلى تزايد التدفقات العسكرية إلى ليبيا، حيث لم تعد عمليات توريد الأسلحة محصورة في قنوات رسمية، بل أصبحت جزءاً من لعبة نفوذ دولية تُدار من قبل أطراف إقليمية ودولية، وعلى رأسها روسيا، هذا التدفق المستمر للسلاح، الذي يُمول بطرق غير مباشرة، يزيد من تعقيد المشهد العسكري ويعمق حالة الإنقسام داخل البلاد، كما يُثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية للفاعلين الإقليميين تجاه ليبيا، خاصة بعد سقوط النظام السوري، الذي فتح باباً واسعاً أمام تدفقات غير تقليدية للأسلحة والمقاتلين عبر أفريقيا وخارجها.
الاقتصاد والاستثمار: رفع التجميد عن الأموال الليبية وتمويل الصراعات
يطرح القرار تساؤلات جدية حول العلاقة بين رفع التجميد عن الأموال الليبية والتطورات العسكرية المحتملة، فمن غير المُستبعد أن يكون الهدف الأساسي من تحريك هذه الأموال هو تمويل عمليات عسكرية يتم التخطيط لها من قبل قوى تمتلك نفوذاً واسعاً في ميزان القوى الدولي، هذا الأمر يُبرز تحدياً إستراتيجياً لليبيا، حيث تصبح مواردها المالية أداة ضغط سياسي وعسكري، بدلاً من أن تكون رافداً لدعم الإستقرار الاقتصادي والاستثماري في البلاد.
المشهد السياسي: إعادة صياغة مفهوم الإنتخابات الوطنية
التحولات الأخيرة في الخطاب المتعلق بالإنتخابات الليبية تُثير مخاوف عميقة، حيث لم يعُد هناك تأكيد على ضرورة إجراء إنتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، بل يُطرح الآن إحتمال الإكتفاء بإنتخابات برلمانية فقط، هذا التغيير يفتح الباب أمام تأويلات واسعة، خاصة في ظل الغُموض الذي يكتنف الصياغات القانونية للقرارات الدولية، وهو أمر يعيد إلى الواجهة الدور البريطاني في مجلس الأمن، حيث لا تزال بريطانيا تتولى صياغة القرارات المتعلقة بليبيا، وهو ما قد يعكس مصالحها الإستراتيجية في إعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي وفقاً لأجندات محددة.
الجوانب الجيوسياسية: ليبيا في قلب الصراعات الدولية
تُشير المعطيات الواردة إلى أن ليبيا ليست مجرد ساحة صراع داخلي، بل باتت نقطة إرتكاز لمصالح دولية متشابكة، فالتدخلات المتعددة، سواء على مستوى التسلح أو إدارة الموارد المالية، تعكس طبيعة الصراع بين القوى الكبرى التي تسعى إلى إعادة تشكيل توازن القوى في شمال أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط.
خاتمة: إشارات تستدعي الإنتباه
في ظل هذه المُعطيات، يصبح التعامل مع القرار الأُممي مسألة تحتاج إلى وعي إستراتيجي عميق، حيث أن تجاهل هذه الإشارات قد يؤدي إلى تعقيد أكبر في الأزمة الليبية، بدلاً من تحقيق الحلول المرجوة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد الشحاتي
أولاً: الأبعاد السياسية والجيوسياسية
صدر القرار في سياق تغييرات دولية مؤثرة، أبرزها إنتهاء فترة عمل المبعوثة الأممية ستيفاني خوري، والإنتقال السياسي في الولايات المتحدة مع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة.
هذه العوامل أدت إلى إستعجال صدور القرار دون دراسة مُعمقة، مما إنعكس على صيغته ومضمونه، كما أن ضعف أداء بعثة الأمم المتحدة في ليبيا نتيجة التغيرات المستمرة في قيادتها أسهم في عدم قدرة المنظمة على تقديم حلول جديدة، مُكتفية بإعادة تدوير إستراتيجيات لم تثبت فعاليتها في السابق.
ثانياً: الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية
لم ينجح القرار في معالجة الأزمة الاقتصادية المُتفاقمة في ليبيا، حيث تستمر الدولة في العمل دون ميزانية مُعتمدة، ما يعوق التخطيط الاقتصادي ويُثير قلق المُستثمرين.
غياب آليات واضحة للإنفاق الحكومي يعزز حالة عدم اليقين الاقتصادي ويحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاعي الطاقة والبُنية التحتية.
ثالثاً: الأبعاد النفطية
يركز القرار على قضايا تهريب وتصدير النفط غير المشروع، لكنه يخلط بين مفهومي التهريب والتصدير غير القانوني، فالتصدير غير القانوني يشير إلى عمليات البيع خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط، بينما يرتبط التهريب غالباً بعمليات غير رسمية تتم عبر البر أو البحر، كما أن المصطلحات الواردة في القرار، مثل "الإستيراد غير المشروع للنفط الخام"، تعكس سوء فهم للواقع الليبي، حيث لا تستورد ليبيا النفط الخام.
رابعاً: الأبعاد القانونية
يتضمن القرار مواد قانونية غير دقيقة، لا سيما فيما يتعلق بتعريف "المؤسسات الموازية"، حيث لم يعُد هناك كيان نفطي موازٍ بعد توحيد المؤسسة الوطنية للنفط، كما لم يوضح القرار طبيعة النفط غير المشروع، وما إذا كان يشمل الإنتاج غير الموثق أو النفط المهرب خارج القنوات الرسمية.
إضافة إلى ذلك، يتحدث القرار عن مسؤولية الحكومة الليبية في الإبلاغ عن السفن غير المشروعة، لكنه يتجاهل محدودية الإمكانيات التقنية لليبيا في مراقبة سواحلها، حيث تعتمد المراقبة على تقارير تجارية وليس على وسائل إستخباراتية متطورة.
خامساً: الأبعاد الأمنية والدفاعية
يطرح القرار تساؤلات حول قدرة الدولة الليبية على تأمين منشآتها النفطية ومنع عمليات التهريب، خاصة في ظل غياب آليات رقابية قوية ودعم دولي فعال، كما أن الفقرات المتعلقة بمكافحة التهريب تفتقر إلى إجراءات تنفيذية واضحة، ما يجعلها أقرب إلى توصيات غير مُلزمة.
سادساً: الأصول الليبية المُجمدة
يقر القرار بأن إستمرار تجميد الأصول الليبية يؤثر سلباً على الاقتصاد الوطني، لكنه لا يُحدد آليات واضحة للإفراج عنها، الفقرة 16 تدعو الدول الأعضاء إلى إتخاذ تدابير لحماية هذه الأصول، لكنها تفتقر إلى الصيغة الإلزامية، ما قد يتيح إستمرار سوء إدارتها أو حتى فقدانها جزئياً، ليبيا تمتلك الحق القانوني في المطالبة برفع التجميد، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر محكمة العدل الدولية.
خاتمة
يعكس القرار مقاربة غير متماسكة للملف الليبي، حيث يفتقر إلى الوضوح في المصطلحات القانونية والاقتصادية، ويعتمد على توصيات غير مُلزمة بدلاً من وضع آليات تنفيذية فعالة.
لذلك، ينبغي على ليبيا إتخاذ موقف صارم تجاه السيادة على مواردها النفطية، وتكثيف الجهود لإستعادة أصولها المُجمدة، مع العمل على توضيح الجوانب القانونية لتجنب أي نزاعات مستقبلية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور أحمد عتيقة
المقدمة
في سياق الحوارات الرامية إلى إستكشاف آفاق الحلول للأزمة الليبية، جاءت مداخلة الدكتور أحمد عتيقة لتسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه البلاد، والتي تتوزع على محاور مُتعددة تشمل الفوضى السياسية والإنقسام المؤسساتي، واقع المؤسسة الليبية للاستثمار، وغياب القيادة الفاعلة والإستراتيجية الوطنية.
عبر هذه الملاحظات، يعكس الدكتور عتيقة رؤية نقدية للوضع القائم ويدعو إلى تبني مقاربات جديدة تخرج ليبيا من أزمتها الراهنة.
أولاً: الفوضى والإنقسام وتأثيرهما على المشهد الليبي
البُعد السياسي والجيوسياسي
تشهد ليبيا إنقساماً سياسياً عميقاً إنعكس على كل المؤسسات الوطنية، حيث ترسخت سلطة الأمر الواقع بين حكومتين تتعاملان مع الإنقسام وكأنه حالة طبيعية، هذا الوضع يعيق أي جهود دولية لحل الأزمة، إذ إن اللاعبين السياسيين والعسكريين قد بنوا مكاسب يصعب التخلي عنها عبر الأدوات التقليدية.
وبهذا، فإن الرهان على تسوية سياسية من خلال الآليات الدبلوماسية الحالية يبدو غير واقعي ما لم تُعتمد آليات جديدة لمعالجة الأزمة بعمق.
البُعد العسكري والأمني
تتجلى الفوضى الأمنية في سيطرة ميليشيات مُسلحة في الغرب، مقابل مؤسسات عسكرية عائلية في الشرق والجنوب، مما يُعقد مسألة توحيد المؤسسة العسكرية، هذا الوضع يجعل من الصعب فرض الأمن والإستقرار، خاصةً في ظل تضارب المصالح بين الجهات الفاعلة، ما يستدعي إعادة النظر في البُنية العسكرية والأمنية لضمان التأسيس لنظام دفاعي موحد.
البعد الاقتصادي والاستثماري
على الرغم من الحديث عن الاستثمارات في قطاع الطاقة خلال المؤتمرات الدولية، إلا أن الواقع يشير إلى بيئة غير مستقرة تعوق أي استثمارات حقيقية، إذ إن تجاهل الإنقسام السياسي والاقتصادي خلال مناقشات الاستثمار لا يعني تجاوزه، بل يزيد من خطورة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.
لذا، فإن معالجة الإنقسام السياسي تُعد ضرورة حتمية لضمان بيئة استثمارية سليمة.
ثانياً: المؤسسة الليبية للاستثمار والتجميد الإختياري
البُعد القانوني والمؤسسي
تطرق الدكتور عتيقة إلى قرار مجلس الأمن بشأن تسهيل استثمار الإحتياطيات المُجمدة للمؤسسة الليبية للاستثمار، موضحاً أن التجميد كان قراراً إختيارياً من الدولة الليبية عام 2011 لحماية الأصول، إلا أن هذا الإجراء الحمائي تحول إلى عقوبة مع مرور الوقت، خاصة مع تفاقم الإنقسامات داخل المؤسسة التي باتت تُدار من إدارتين منفصلتين في الشرق والغرب.
البُعد الاقتصادي والتنموي
من غير الممكن رفع التجميد ما لم تستعد ليبيا إستقرارها السياسي والمؤسسي، ويستلزم ذلك إعادة هيكلة المؤسسة الليبية للاستثمار وفق المعايير العالمية، وهو ما يتطلب تعديل قانون رقم 13 لسنة 2010 الذي يعاني من إشكاليات قانونية وإدارية، أبرزها تضارب المصالح وإزدواجية إتخاذ القرار.
ثالثاً: غياب القيادة الفاعلة والإستراتيجية الوطنية
البُعد السياسي والاجتماعي
غياب قيادة سياسية موحدة ذات شرعية واسعة يعمق الإنقسامات، حيث أن تعدد مراكز القرار أضعف فرص التوافق، مما جعل الأزمة مُستدامة بدلاً من كونها مرحلة إنتقالية، كما أن غياب رؤية وطنية متكاملة أجهض محاولات الإصلاح وأدى إلى إستمرار حالة الجمود السياسي.
البُعد الاقتصادي والطاقة
غياب القيادة أدى إلى تأخير الإصلاحات الاقتصادية وإضعاف قطاع الطاقة والاستثمار، مما إنعكس سلباً على التنمية الاقتصادية.
لذا، فإن الحل لا يمكن أن يكون عبر الحوارات السياسية وحدها، بل يتطلب تبني مشروع وطني يُعيد بناء الدولة على أسس حديثة، بعيداً عن المصالح الفئوية والضيقة.
الخاتمة: رؤية مستقبلية للخروج من الأزمة
خلص الدكتور أحمد عتيقة إلى أن ليبيا بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لمسارها السياسي والاقتصادي والأمني، فلا يمكن تحقيق الإستقرار دون الإعتراف بحقيقة الإنقسام والعمل على معالجته بآليات أكثر واقعية وفاعلية، كما أن إعادة هيكلة المؤسسة الليبية للاستثمار، وخلق بيئة سياسية موحدة، وتطوير إستراتيجية وطنية متكاملة، تمثل مفاتيح رئيسية للخروج من النفق المظلم.
إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وخطة إصلاحية جذرية تضع مصلحة ليبيا فوق كل الإعتبارات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ محمد الصافي المنفي
مقدمة
يُشكل القرار الأخير رقم 2769 الصادر عن مجلس الأمن بشأن ليبيا محطةً مفصلية في المسار السياسي والاقتصادي للبلاد، حيث يتناول قضايا حيوية تتعلق بموارد الدولة وإدارتها.
في هذا السياق، ركز الأستاذ محمد الصافي المنفي في مداخلته على بُعدين رئيسيين للقرار: العقوبات المفروضة على تهريب النفط، وحق المؤسسة الليبية للاستثمار في إدارة الإحتياطيات الليبية.
أولاً: البُعد النفطي والاقتصادي – العقوبات على تهريب النفط
تحديات الإيرادات النفطية
يُمثل تهريب النفط أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي، إذ يحرم الدولة من مواردها الأساسية، مما يزيد من العجز المالي ويؤثر على إستقرار الموازنة العامة.
فالقرار الدولي الجديد يُعزز آليات الرقابة على الصادرات غير المشروعة، وهو ما قد يُسهم في الحد من عمليات التهريب التي تفاقمت نتيجة ضعف الحوكمة والرقابة المالية.
نظام المقايضة وتأثيره على الاقتصاد
يُشير الأستاذ محمد المنفي إلى أن نظام المقايضة بين النفط والمشتقات النفطية زاد من فاتورة دعم الطاقة، التي تجاوزت 8 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يُعد إستنزافاً خطيراً للموارد.
وعليه، فإن القرار الأممي قد يُشكل خطوة في الإتجاه الصحيح لمُعالجة هذا الملف، لكنه لا يزال يفتقر إلى معالجة مسائل رئيسية مثل دور القطاع الخاص في تصدير النفط ومدى شفافية الشراكات التي تُبرم في هذا المجال.
ثانياً: البُعد الاستثماري والقانوني – إدارة الأموال الليبية المُجمدة
حق المؤسسة الليبية للاستثمار في إدارة الأصول
أحد التطورات المهمة التي جاء بها القرار هو منح المؤسسة الليبية للاستثمار الحق في إدارة الأصول المُجمدة، بدلاً من تركها تحت سيطرة المجتمع الدولي، هذه الخطوة تحمل أبعاداً قانونية واقتصادية كبيرة، فمن ناحية تُكرس حق الليبيين في التحكم بثرواتهم، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات حول آليات الإدارة والضمانات المتاحة لمنع إساءة إستخدام هذه الموارد.
إشكالية الشفافية والمساءلة
يرى الأستاذ محمد المنفي أن الشفافية تظل التحدي الأكبر، إذ لا يوجد نظام رقابي واضح يُتيح للمواطنين الليبيين الإطلاع على حجم هذه الأموال وأماكن استثمارها، مما قد يؤدي إلى شبهات فساد أو سوء إدارة.
في هذا السياق، يُقترح إنشاء منصة إلكترونية أو "لوحة تحكم" (Dashboard) تُعرض فيها البيانات المالية للمؤسسة بشكل دوري، بما يضمن الشفافية الكاملة.
التضخم وتأثيره على قيمة الأصول المُجمدة
من القضايا التي أُثيرت أيضاً هي تأثير التضخم على الأموال المُجمدة، إذ أن ثبات قيمتها عند 67-68 مليار دولار دون أي نمو يُعني أن هذه الأموال تفقد قيمتها الفعلية بمرور الوقت، مما يتطلب حلولاً استثمارية أكثر كفاءة للحفاظ على قوتها الشرائية وضمان إستفادة الأجيال القادمة منها.
البُعد السياسي والجيوسياسي – إنعكاسات القرار على المشهد العام
قرار مجلس الأمن لا يمكن قراءته بمعزل عن الديناميكيات السياسية الداخلية والدولية، إذ يعكس توجهات المجتمع الدولي تجاه ليبيا، ويؤكد إستمرار التدخل في الشؤون الاقتصادية للبلاد تحت غطاء الحوكمة المالية.
في المقابل، فإن تمكين المؤسسة الليبية للاستثمار من إدارة أصولها قد يُمثل بداية لإستعادة جزء من السيادة الاقتصادية، لكنه يبقى مرهوناً بمدى قدرة الدولة على تطبيق معايير الحوكمة الرشيدة وضمان الإستقلالية عن التجاذبات السياسية الداخلية.
خاتمة
يُشكل هذا القرار فرصةً لإصلاح بعض الإختلالات الاقتصادية والاستثمارية، لكنه في الوقت ذاته يُثير تحديات جديدة تتطلب حلولاً مؤسسية جذرية، خاصةً فيما يتعلق بالشفافية وإدارة الموارد.
ومن هنا، فإن نجاح ليبيا في الإستفادة من هذه القرارات مرهون بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق توازن بين السيادة الوطنية والإنخراط في النظام المالي العالمي بطريقة تحقق المصالح الإستراتيجية للبلاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة المهندس أحمد عون
- السياق السياسي والقانوني
ناقش المهندس أحمد عون القرار الأممي رقم 2769 لسنة 2025، الذي يُشدد على منع تصدير النفط الليبي غير المشروع، مستنداً إلى القرار الأممي 1970 لسنة 2011، الذي يحظر على أي كيان موازٍ تصدير النفط دون تفويض رسمي من الدولة الليبية.
يفرض القرار عقوبات على الجهات المخالفة، لكنه يثير تساؤلات حول دور الحكومة الليبية في الإبلاغ عن الإنتهاكات ومدى فعاليتها في هذا الإطار.
- الإطار الاقتصادي والاستثماري
تُعتبر المؤسسة الوطنية للنفط الجهة الوحيدة المُخولة بتسويق وتصدير النفط الليبي، إذ تعتمد على عقود سنوية تُبرم مع شركات التكرير وليس التجار.
تعتمد عمليات التسعير على خام برنت كمعيار دولي، مع بعض الخامات الليبية التي تُباع بعلاوة سعرية نظراً لجودتها العالية، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تقارير عن بيع النفط بأسعار أقل من برنت، ما قد يشير إلى خسائر مالية ضخمة ويثير تساؤلات حول الشفافية في إدارة القطاع.
- الجانب النفطي وآلية التصدير
يتم بيع النفط الليبي من خلال إدارة التسويق الدولي، حيث تُرسل إشعارات رسمية للشركات والموانئ المعنية قبل التصدير، ويتم توثيق عمليات الشحن وإصدار شهادات المنشأ، التي تُستخدم في فتح الإعتمادات المالية بالمصارف الدولية.
رغم إستقرار الإنتاج سابقاً، ظهرت معلومات عن تصدير كميات من النفط خارج الإطار الرسمي، في ظل ترتيبات مالية غير تقليدية أثارت جدلاً واسعاً حول مصداقيتها.
- أمن الطاقة والتحديات الجيوسياسية
يُشكل النفط ركيزة للإستقرار الاقتصادي والسياسي في ليبيا، إلا أن التداخلات الداخلية والخارجية في عمليات تصديره تضعه في دائرة التجاذبات السياسية.
تبرز مخاوف من أن يؤدي السماح لشركات خاصة بإدارة حقول نفطية كبيرة إلى إحتكار غير شفاف، ما قد يزيد من التدخلات الخارجية ويهدد أمن الطاقة الوطني.
- مستقبل القطاع: بين الإصلاح والإنفتاح على القطاع الخاص
ظهرت دعوات لإشراك القطاع الخاص الليبي في استثمار الحقول الصغيرة التي تحتوي على إحتياطات أقل من 50 مليون برميل، لكن غياب الشفافية في إسناد التراخيص أثار جدلاً واسعاً.
إذا نُفذت هذه الإستراتيجية بشكل مدروس، فقد تعزز النمو الاقتصادي، ولكن إستمرار الغموض حول آلية إختيار الشركات وغياب الوضوح القانوني قد يؤدي إلى إستغلال الموارد دون تحقيق فائدة حقيقية للدولة.
- الخلاصة: تحديات الحوكمة وآفاق الحل
يُشير خطاب المهندس أحمد عون إلى أن مستقبل النفط في ليبيا مرتبط بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وضمان الشفافية في عمليات التصدير.
فمع إستمرار الجدل حول شرعية بعض العقود ومستويات التسعير، يبقى التحدي الأكبر هو إستعادة ثقة المجتمع المحلي والدولي في نزاهة إدارة القطاع، وهو أمر ضروري ليس فقط للإستقرار الاقتصادي، بل أيضاً للحد من التدخلات الخارجية التي تستغل ثغرات الحوكمة الضعيفة.
ويبقى السؤال الأهم الذي يظل مطروحاً: هل ستتمكن ليبيا من حل هذه القضايا داخلياً، أم ستبقى رهينة للضغوط والتدخلات الدولية؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور منذر الشحومي
أولاً: الجانب السيادي والسياسي
سلط الدكتور منذر الشحومي الضوء على جوهر أزمة السيادة الوطنية، مبرزاً أن القرار رقم 2769 الصادر عن مجلس الأمن يُعد تجسيداً لإنعدام القدرة الليبية على إدارة مواردها وأموالها السيادية.
ويعكس هذا القرار فشل المجتمع الدولي، ممثلاً في مجلس الأمن، في فهم طبيعة الوضع الليبي، نتيجة تخبط قانوني وإداري وفني مستمر منذ عام 2011، وهو ما أدى إلى فقدان الدولة لسيطرتها على أهم أدوات قوتها الناعمة: أصولها السيادية واستثماراتها الخارجية.
ثانياً: الجانب الاقتصادي والاستثماري
بيّن الدكتور منذر أن قرارات التجميد الدولي ألحقت ضرراً بالغاً بالاقتصاد الليبي، حيث قدرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة بين 140 و150 مليار دولار، نتيجة فقدان الفرص الاستثمارية التي كان يمكن أن تضاعف قيمة الأصول لتصل إلى 350 مليار دولار، كما أشار إلى أن غياب إعادة استثمار هذه الأصول وتجميد الأرباح والعوائد أدى إلى تآكل قيمتها بفعل التضخم وأسعار الفائدة السلبية، ما عمق من خسائر الدولة الليبية.
ثالثاً: الجانب القانوني والمؤسسي
تطرق الدكتور منذر الشحومي إلى فجوات قانونية خطيرة في قرارات مجلس الأمن، أبرزها الغموض في الصياغات القانونية المتعلقة بالأرباح الناتجة عن الأصول المُجمدة، وغياب آليات واضحة للتعامل مع إستحقاقات السندات والعوائد الاستثمارية، هذا الفراغ القانوني استُغل من قبل بعض الدول لمصادرة العوائد أو فرض قيود جديدة، كما كشف عن حالة إرتباك داخلية في المؤسسة الليبية للاستثمار، تمثلت في تعدد الرؤساء والتنازع القضائي الداخلي، مما أدى إلى تبديد موارد إضافية على النزاعات بدلاً من التقدم المؤسسي.
رابعاً: الجانب المالي والمحاسبي
إستعرض الدكتور منذر قصور المؤسسة في إعتماد أنظمة تقييم مالي حديثة، ما أدى إلى إستمرار إعتمادها على القيم الدفترية بدلاً من السوقية في تقدير الأصول، كما لم تُنشر تقارير مالية شفافة، مما أضعف من قدرة المؤسسة على بناء ثقة دولية أو إقناع الجهات الأجنبية برفع التجميد أو التعاون في إدارة الأصول.
خامساً: الجانب الإداري والحوكمة
إنتقد الدكتور منذر غياب رؤية إستراتيجية استثمارية لدى المؤسسة منذ تأسيسها، وأشار إلى عدم وجود سياسة واضحة لتوزيع الأصول أو تحديد الأهداف (مثل تنويع الاقتصاد أو تحقيق عوائد)، كما أشار إلى حرمان المؤسسة من تطوير قدراتها المؤسسية، بحجة أنها "جهة مُعاقبة"، ما يمنعها من توظيف الكفاءات أو الحصول على أنظمة تكنولوجية متقدمة لإدارة الأصول.
سادساً: الجانب الجيوسياسي والدولي
بيّن الدكتور منذر الشحومي أن الأصول الليبية المُجمدة منتشرة في مؤسسات مالية كبرى مثل UBS وJ.P. Morgan، وتخضع لعقود واضحة، إلا أن هذه المؤسسات تنصلت من إلتزاماتها بحماية الأموال، في ظل غياب ضغط دولي حقيقي، كما أشار إلى تحرك بعض الدول (كبلجيكا) بشكل أحادي للتصرف في الأموال المُجمدة، ما يعكس خللاً في النظام الدولي القائم على إحترام سيادة الدول.
سابعاً: الجانب الأمني والدفاعي (بصورة غير مباشرة)
رغم عدم التطرق الصريح للملف الأمني، إلا أن الإخلال بالسيادة الاقتصادية عبر تجميد الأصول يمثل تهديداً للأمن القومي الليبي، خاصةً أن عجز الدولة عن توظيف هذه الأموال يُضعف من قدرتها على بناء قدرات عسكرية وأمنية أو تمويل مشاريع الإستقرار وإعادة الإعمار.
ثامناً: الجانب الاجتماعي والتنمية الوطنية
الحرمان من الأصول المُجمدة حرم الشعب الليبي من فرص تنموية واقتصادية هائلة كان من الممكن أن تُسهم في دعم البُنية التحتية، وتوفير الخدمات، وخفض نسب البطالة.
وتُعد هذه الأصول ثروة سيادية تخص الأجيال الحالية والمُقبلة، ما يجعل خسارتها أو تآكلها تهديداً مباشراً للعدالة الاجتماعية.
توصيات ختامية
دعا الدكتور منذر إلى إعادة هيكلة إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار، وتبني سياسات واضحة وشفافة، وتطوير أنظمة حوكمة واستثمار فعالة، إلى جانب الضغط الدولي عبر القنوات القانونية والدبلوماسية للمطالبة بحقوق ليبيا، ورفع التجميد عن الأصول، بما يخدم مستقبل الاقتصاد الليبي ويُعيد الإعتبار للسيادة الوطنية.
خلاصة شاملة
ما عرضه الدكتور منذر الشحومي يُعد شهادة دقيقة ومرجعية عالية القيمة في فهم أزمة الأصول المُجمدة، إذ جمع بين التحليل القانوني، المالي، الاقتصادي، والسياسي، مُقدماً سرداً مُعمقاً يكشف خطورة إستمرار الوضع الراهن، وضرورة تحرك الدولة الليبية بكافة مؤسساتها لإستعادة زمام المبادرة وحماية ثرواتها السيادية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد أبو سنينة
أولاً: الجانب السياسي
يعكس قرار مجلس الأمن رقم 2769 إستمرار حالة "الرعاية الدولية المركبة" المفروضة على ليبيا منذ عام 2011، والتي لا ترقى إلى الوصاية القانونية الصريحة، لكنها تُترجم عملياً كقيود منهجية على القرار السيادي، وتدخل مباشر في إدارة موارد الدولة.
القرار في جوهره يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لا يزال غير واثق من قدرة النُخب السياسية الليبية على إدارة شؤون الدولة، كما يُمهد لتحولات مُحتملة في هيكل السلطة التنفيذية عبر تشكيل حكومة جديدة، لكن تحت سقف رقابي دولي يمنعها من التصرف الحُر في الموارد السيادية، خاصة في قطاعي النفط والاستثمار.
ثانياً: الجانب الاقتصادي
القرار لم يحقق أي إختراق اقتصادي يُذكر، إذ لم يمنح الدولة الليبية القدرة على تحريك أصولها أو توظيفها في دعم الميزانية العامة، ولم يقدم أي آليات لتحفيز الإنفاق التنموي أو معالجة العجز المالي.
بل على العكس، يشدد القرار الرقابة على الأموال المُجمدة ويعزز القيود على إدارتها، ما يبقي الاقتصاد الليبي رهينة لوضعية الجمود المالي، ويُحبط أي محاولات للتحرر من التبعية المالية للمجتمع الدولي.
ثالثاً: الجانب الاستثماري
يفرض القرار قيوداً صارمة على تحريك الأصول السيادية الليبية بالخارج، ويشترط مسبقاً موافقة لجنة العقوبات على أي خطوة استثمارية، ما يُقيد حرية المؤسسة الليبية للاستثمار.
الأمر اللافت هو تناقض القرار ذاته، إذ يدعو إلى استثمار الأصول المُجمدة بأقل مخاطرة وأعلى عائد، لكنه يُلزم المؤسسة بالاستثمار فقط في الدول التي تحتضن الأصول، حتى وإن كانت بيئاتها الاستثمارية هشة أو مشبعة بالفساد.
رابعاً: الجانب النفطي
قرار مجلس الأمن جاء في سياق شبه مباشر للرد على الخروقات المتزايدة في ملف تصدير النفط، حيث سُجلت عمليات تصدير غير مشروعة أثرت سلباً على تدفق الإيرادات.
رغم الإنتاج المرتفع الذي بلغ 1.2 مليون برميل يومياً، إلا أن المصرف المركزي لم يتلقى سوى 500 مليون دولار فقط، ما يُشير إلى وجود تسربات مالية خطيرة.
القرار أكد على منع عمليات التصدير والإستيراد غير المشروعة للنفط ومشتقاته، سواء من ليبيا أو إليها، ما يُعزز الشكوك حول وجود شبكة فساد عابرة للحدود تعبث بثروة البلاد الأساسية.
خامساً: الجانب القانوني
القرار يؤسس لنظام قانوني دولي موازٍ يُقيد أدوات الدولة الليبية القانونية في إدارة ثرواتها، ويمنح لجنة الخبراء الأُممية صلاحيات رقابية واسعة تتجاوز الدور التقليدي لمثل هذه اللجان.
كما يُعيد تأكيد الحظر المفروض منذ عام 2011، دون فتح أي مسار قانوني لإستئناف السيادة الاقتصادية، ما يُبقي الوضع القانوني للأموال والأصول الليبية في حالة "إيقاف مع سبق الإصرار".
سادساً: الجانب الأمني والدفاعي والعسكري
رغم أن القرار لم يتطرق بشكل مباشر إلى الشأن العسكري أو الدفاعي، إلا أن توقيته يتقاطع مع تصاعد المخاوف الدولية من إنزلاق الوضع نحو صراع جديد.
ورغم رأي بعض المُحللين بأن القرار يُمهد لحرب قادمة، فإن الرأي المرجح أن القرار يهدف لضبط المشهد الأمني ومنع أي توظيف للموارد السيادية في تغذية النزاعات المسلحة، ما يُشير إلى بُعد رقابي وقائي لمنع عسكرة الاقتصاد الليبي.
سابعاً: الجانب الجيوسياسي
القرار يعكس إستمرار التنافس الدولي على التأثير في ليبيا، خاصة من قبل قوى كبرى تسعى لضمان بقاء ليبيا ضمن دائرة النفوذ الأممي، منعاً لأي إصطفاف إستراتيجي غير مرغوب فيه.
كما أن تجديد صلاحيات لجنة الخبراء وتوسيع دورها في مراقبة الاستثمارات يُترجم كأداة جيوسياسية للتحكم في مستقبل التوازنات الإقليمية المرتبطة بليبيا.
ثامناً: الجانب المؤسسي والإداري
كشف الدكتور محمد أبو سنينة عن ثغرات كبيرة في أداء المؤسسة الليبية للاستثمار، أهمها غياب الشفافية، وعدم إصدار تقارير سنوية، وغياب الجمعيات العمومية، وتعدد الأجنحة المتنازعة على إدارتها.
وبالتالي، فإن إستمرار تجميد الأصول يبدو في نظر المجتمع الدولي مبرراً، ما لم تُظهر المؤسسة تحولاً جذرياً في منهجية إدارتها وآليات الإفصاح.
خاتمة تحليلية
قرار مجلس الأمن 2769 هو وثيقة ترسيخ للوضع الراهن، لا وثيقة تحرير اقتصادي.
هو بمثابة "تجميد للقرار السيادي في ثوب شرعي دولي"، ويحمل دلالات عميقة على إستمرار عدم الاعتراف الكامل بقدرة ليبيا كدولة ذات سيادة فاعلة.
إنه يفرض على النُخب الليبية مراجعة شاملة لأداء مؤسساتها السيادية، والعمل نحو بناء الثقة الدولية المفقودة، بالتوازي مع بلورة إستراتيجية وطنية لإستعادة القرار الاقتصادي ومكافحة التسربات المالية والنفطية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور عزيز الدين عاشور
أولاً: الجانب الاقتصادي
يسلط الدكتور عزالدين عاشور الضوء على أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وتعقيداً في ليبيا، وهو ملف الأصول الليبية المُجمدة والبيئة المالية غير النظامية.
فقد أشار الدكتور عزالدين إلى أن الاقتصاد الليبي يُعاني من فوضى مالية عارمة، حيث يُدار جزء كبير من النشاط المالي خارج المنظومة المصرفية الرسمية، ما يجعل حركة الأموال غير قابلة للتعقب، ويُعرض الدولة لمخاطر جسيمة تتعلق بسمعتها الاقتصادية والمالية.
ووفق المعطيات، تتجاوز الأصول الخارجية الليبية 100 مليار دولار، فيما تفوق السيولة المحلية 70 مليار دينار ليبي، لكن هذه الكتلة المالية الضخمة لا تُدار في إطار مؤسسي مُنضبط، بل تُوظف جزئياً في الاقتصاد الموازي والأنشطة غير المشروعة.
ويُعد هذا الوضع أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت المجتمع الدولي إلى التحفظ على رفع التجميد عن الأصول الليبية، وإعتبار ليبيا بيئة مالية هشة وعالية المخاطر.
ثانياً: الجانب الاستثماري
تُبين مداخلة الدكتور عزالدين أن المؤسسة الليبية للاستثمار فشلت في إستيفاء معايير الشفافية والحوكمة منذ عام 2011، ما أدى إلى إستمرار تجميد أصولها الخارجية، هذا الوضع يُمثل عائقاً خطيراً أمام أي توجه للاستثمار الخارجي أو الداخلي، ويُجهض أي إمكانية لإعادة تدوير الثروة المجمدة لصالح إعادة الإعمار والتنمية.
كما أدى إنسحاب البنوك الدولية الكبرى إلى إغلاق معظم القنوات الاستثمارية العالمية أمام ليبيا، ما أدى إلى عزلة مصرفية واستثمارية دولية شبه كاملة، بإستثناء تعاملات محدودة مع بنوك صغيرة التأثير مثل "إنتيزا" و"جي بي مورغان".
ثالثاً: الجانب النفطي
رغم الإنقسام السياسي والمؤسسي، تظل المؤسسة الوطنية للنفط واحدة من المؤسستين اللتين حافظتا على درجة معقولة من الإستقرار والإمتثال للمعايير الدولية، ويُعزى إليها الفضل في بقاء قطاع النفط الليبي موحداً ومُنظماً نسبياً، وهو ما جنّب البلاد المزيد من الإنهيار الاقتصادي، وساعد في توفير الحد الأدنى من العوائد السيادية المستقرة.
رابعاً: الجانب السياسي
تكشف مداخلة الدكتور عزالدين عاشور عن فشل الدولة الليبية في التوافق على ميزانية وطنية موحدة حتى عام 2025، ما يُبرز حجم الإنقسام السياسي والمؤسسي، ويُكرس حالة الشلل الإداري في الدولة، كما يُعاني مصرف ليبيا المركزي من إنقسام في الشرعية السياسية، إذ لا يعلم أي حكومة يجب أن يمول، مما يُعطل أداءه ويُفقده الحياد المفترض.
هذا الإنقسام يُعمق الأزمة، ويزيد من فقدان الثقة الدولية في قدرة الليبيين على إدارة شؤونهم الاقتصادية والمالية بأنفسهم.
خامساً: الجانب القانوني
يُشير الدكتور عزالدين إلى أن الرقابة الدولية، خصوصاً الأمريكية، باتت أكثر صرامة، حيث فرض الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي شروطاً مُعقدة على المعاملات الليبية بالدولار، أهمها ضرورة إشراف شركة مالية مُعتمدة من وزارة الخزانة الأمريكية، وهذا يعكس إنعدام الثقة في البُنية القانونية والرقابية الليبية، ويُبرز الحاجة الملحة لإصلاح المنظومة القانونية والمالية بما يتماشى مع المعايير الدولية.
سادساً: الجانب الاجتماعي
من الزاوية الاجتماعية، لا تطرح مداخلة الدكتور عزالدين عاشور مؤشرات مباشرة، لكن يُفهم من السياق أن الاقتصاد غير الرسمي أصبح سمةً سائدة في المجتمع الليبي، حيث تنتشر المُعاملات النقدية غير الخاضعة للرقابة، ما يُسهم في إضعاف الدولة كمفهوم ومؤسسات، ويُكرس منطق الفوضى واللامركزية غير المنظمة.
سابعاً: الجانب الأمني والدفاعي
بين السطور، تحمل مداخلة الدكتور عزالدين مؤشرات أمنية غير مباشرة، منها أن الاقتصاد غير الرسمي يُسهل عمليات تبييض الأموال، التي قد تُستخدم في تمويل أنشطة غير مشروعة، منها التهريب، وتجارة السلاح، وربما الإرهاب، في ظل هشاشة الرقابة الأمنية على الحدود والأسواق المالية.
ثامناً: الجانب العسكري
لا تتناول مداخلة الدكتور عزالدين الجانب العسكري بشكل مباشر، إلا أن الإشارة إلى وجود حكومتين متنافستين وإلى حيرة المصرف المركزي في تحديد الجهة الشرعية تعكس إستمرار الإنقسام العسكري والسياسي، الذي يحول دون بناء مؤسسة عسكرية موحدة تحمي الاقتصاد وتدعم الإستقرار.
تاسعاً: الجانب الجيوسياسي
أبرزت مداخلة الدكتور عزالدين بشكل عميق أن ليبيا أصبحت محط مراقبة دولية دقيقة، خاصةً من قبل مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والخزانة الأمريكية، مما يعني أن الأزمة الاقتصادية الليبية لم تعد مسألة داخلية فحسب، بل أضحت ملفاً دولياً يُدار من الخارج، وتُمارس فيه ضغوط سياسية واقتصادية لتقييد الحركة المالية الليبية، في ظل غياب إصلاح داخلي حقيقي.
خلاصة شاملة
مداخلة الدكتور عزالدين عاشور تُقدم صورة قاتمة لكنها واقعية عن الحالة الاقتصادية والمالية الليبية في عام 2025، حيث تتشابك الفوضى المؤسسية مع الإنقسام السياسي، وتُفرزان بيئة مالية غير موثوقة تُغذي الاقتصاد الموازي.
ورغم صمود مؤسسات محددة كالمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلا أن غياب الإرادة السياسية، وتخلف البُنية الرقابية والقانونية، وإستمرار الإنقسام، تُنذر بإنهيار أوسع إن لم يُتدارك الوضع بإصلاحات جذرية وسريعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
- الجانب الاقتصادي والاستثماري:
يؤكد تعليق الدكتور يوسف الصواني على أن ليبيا تواجه مخاطر مالية متفاقمة، حيث تزداد القيود الدولية على مواردها، مما يحد من تأثير أي محاولات لتحرير الأصول المُجمدة.
يشير التحليل إلى أن رفع التجميد عن الأصول الاستثمارية دون تمكين إدارتها الفعالة لن ينعكس إيجابياً على الاقتصاد الوطني.
- الجانب النفطي:
لم يتناول النص بشكل مباشر قضية النفط، لكنه يتقاطع مع التأثيرات الاقتصادية العامة، حيث إن أي قيود على الموارد المالية تنعكس على قطاع النفط بإعتباره المصدر الأساسي للدخل القومي الليبي، مما يحد من قدرة الدولة على الاستثمار في البُنية التحتية النفطية والتطوير المُستدام للقطاع.
- الجانب السياسي والجيوسياسي:
يُبرز التعليق الهيمنة الدولية المتزايدة على الشؤون المالية الليبية، مما يعكس البُعد الجيوسياسي للصراع على الموارد.
إستمرار هذه القبضة يعكس مدى النفوذ الخارجي في تحديد المسارات الاقتصادية والسياسية للبلاد، ما يجعل إستقلال القرار المالي والسيادي مرهوناً بمصالح القوى الدولية.
- الجانب القانوني:
يُشير الدكتور يوسف الصواني في تعليقه حول مداخلة الدكتور عزالدين عاشور إلى القيود القانونية التي تعيق إدارة الأصول الليبية، وهو ما يستدعي إصلاحات تشريعية ومؤسسية لضمان إستعادة السيطرة الوطنية على الموارد المالية.
القوانين الدولية المنظمة لتجميد الأصول، والعقوبات المالية، تمثل عائقاً رئيسياً أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي.
- الجانب الاجتماعي:
يترتب على إستمرار الأزمة المالية تأثيرات اجتماعية عميقة، حيث ينعكس تقييد الموارد على تدهور الخدمات العامة، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، مما يُعمق حالة التوتر الاجتماعي ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
- الجانب الأمني والدفاعي والعسكري:
يشير الدكتور يوسف الصواني ضمنياُ إلى أن إستمرار الأزمة المالية قد يؤدي إلى تداعيات أمنية خطيرة، حيث إن غياب الإصلاح المالي والمؤسسي قد يفتح المجال لمزيد من الفوضى وعدم الإستقرار، كما أن نقص التمويل قد يؤثر على جاهزية الأجهزة الأمنية والعسكرية، مما يزيد من مخاطر الإنفلات الأمني وضعف السيطرة على الأرض.
الإستنتاج العام:
يحذر الدكتور يوسف الصواني في تعليقه من مستقبل أكثر تعقيداً إذا لم يتم إتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة، إذ إن إستمرار الوضع الحالي ينذر بإنزلاق ليبيا نحو نقطة اللاعودة.
ويُعد التحرك السريع والمسؤول من قبل جميع الأطراف الليبية ضرورة مُلحة لإنقاذ البلاد من تداعيات الهيمنة الدولية والتدهور المؤسسي والاقتصادي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي
أولاً: الجانب النفطي والاستثماري
تناول الأستاذ عبدالدائم الغرابلي إشكالية تصدير النفط الليبي، مؤكداً أن التحدي الحقيقي ليس في التصدير غير المشروع، الذي أثبت المجتمع الدولي قدرته على منعه متى أراد، بل في التصدير "المُشرعن"، الذي يتم عبر آليات غير واضحة.
وأشار إلى الفجوة بين الإنتاج النفطي اليومي، الذي يبلغ 1.2 مليون برميل، وبين الإيرادات التي تصل إلى المصرف المركزي، والتي لا تتجاوز 500 مليون دولار شهرياً، مما يُشير إلى تسرب مالي يُشبه تهريب العوائد النفطية.
كما تطرق إلى قضية منح شركة محلية خاصة 40% من حصص حقلين عملاقين بقرار من مجلس الوزراء، ما يعكس خطورة إستغلال الثروة النفطية تحت غطاء قانوني غير شفاف.
ثانياً: الجانب السياسي والقانوني
أبرز الأستاذ عبدالدائم الغرابلي التناقضات في قرارات مجلس الأمن، حيث يركز على منع التصدير غير المشروع، بينما لا يتطرق إلى عمليات "الشرعنة" التي تفتح المجال أمام الفساد المالي.
كما أشار إلى أن القرار يُهدد بفرض عقوبات على مُعرقلي الإنتخابات والداعمين للإرهاب، لكنه يفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة، مما يعكس عدم وجود توافق دولي على إجراءات حاسمة لحل الأزمة الليبية، بل يقتصر الأمر على إدارة الأزمة لا أكثر.
ثالثاً: الجانب الأمني والعسكري
إنتقد الأستاذ عبدالدائم الغرابلي إزدواجية قرار مجلس الأمن بشأن حظر الأسلحة، مُشيراً إلى أنه، من ناحية يمنع توريد الأسلحة إلى الأطراف الليبية، ومن ناحية أخرى، يتيح للدول الكبرى إدخال أسلحتها إلى ليبيا شريطة عدم تسليمها لليبيين، وهذا يهدف إلى ضمان قدرة هذه الدول على التدخل عسكرياً متى أرادت، دون تمكين الليبيين من تطوير قدراتهم الدفاعية.
كما أشار إلى أن القرار يدعو لسحب القوات الأجنبية والمرتزقة، لكنه في الوقت ذاته يُشرعن الوجود العسكري الأجنبي، مما يعكس التناقضات في المصالح الدولية.
رابعاً: البُعد الجيوسياسي
أكد الأستاذ عبدالدائم الغرابلي أن التلاعب بملف النفط وعائداته، إضافة إلى غموض قرارات مجلس الأمن بشأن ليبيا، يعكس إستمرار الخلافات بين القوى الكبرى حول كيفية إدارة الملف الليبي، فبينما يتم فرض قيود على الأطراف المحلية، تُمنح الدول الكبرى هامشاً واسعاً للتحرك عسكرياً وسياسياً، مما يُشير إلى أن ليبيا لا تزال ساحة مفتوحة للصراعات الجيوسياسية، حيث يتم تأجيل الحلول الجذرية إلى حين تحقيق توافق دولي غير متوفر حتى الآن.
الإستنتاج العام
مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي تُسلط الضوء على أن الأزمة الليبية لا تتعلق فقط بالفوضى الداخلية، بل هي إنعكاس مباشر لتوازنات القوى الدولية، حيث يُستخدم النفط كأداة للسيطرة الاقتصادية، ويُدار الملف الأمني بطريقة تضمن إستمرار النفوذ الخارجي دون تمكين الليبيين من بناء مؤسساتهم بشكل مستقل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
أولاً: الجانب القانوني
يُشير الدكتور يوسف الصواني في تعليقه حول مداخلة الأستاذ عبدالدائم الغرابلي بوضوح إلى وجود إشكاليات قانونية في القرار محل النقاش، ما يُفهم منه أن صياغته أو خلفياته قد لا تستند إلى أسس قانونية محكمة أو أنها تعكس تفسيرات إنتقائية للنصوص الدولية، مما يثير تساؤلات حول شرعية القرار أو مصداقيته القانونية.
ثانياً: الجانب السياسي
يربط الدكتور يوسف الصواني هذه الإشكاليات القانونية بما وصفه بمحاولة الأستاذ عبد الدائم الغرابلي "قراءة ما بين السطور"، في إشارة إلى أن القرار قد ينطوي على نوايا سياسية مبيتة، ربما تصب في مصلحة أطراف دولية أو إقليمية معينة على حساب السيادة الليبية، ويُلمح إلى وجود أجندات خفية خلف صياغة القرار، ما يؤشر على غياب الشفافية في العملية السياسية الدولية المتعلقة بليبيا.
ثالثاً: الجانب الجيوسياسي
رغم تحفظاته، يعترف الدكتور يوسف الصواني بأن صدور القرار بالإجماع داخل مجلس الأمن يُعد بحد ذاته تطوراً إيجابياً من الناحية الجيوسياسية، لما يحمله من مؤشرات على وجود توافق دولي نادر بشأن ليبيا، لكن هذا التوافق المُريب كما يصفه، لا يخلو من الشكوك حول خلفياته وأهدافه الحقيقية.
رابعاً: الجانب الاجتماعي والإعلامي
يُبرز الدكتور يوسف الصواني ما يمكن إعتباره قصوراً جماعياً في الوعي السياسي لدى الرأي العام والنُخب الليبية، حين أشار إلى أن "الليبيين قد غفلوا عن إستشعار بعض الأمور المهمة"، مما يدل على ضعف المتابعة أو التحليل النقدي للقرارات الدولية التي تمُس مستقبل البلاد، وهو ما يُعد خللاً في الإستجابة الوطنية الواعية للمخاطر والتحديات.
خامساً: ملاحظات ختامية وتحليل مُركب
تعكس كلمات الدكتور يوسف الصواني طبيعة المشهد الليبي المُعقد، حيث تتداخل الشرعية القانونية مع الدوافع السياسية والضغوط الجيوسياسية، في ظل ضعف داخلي في أدوات التحليل السياسي والإستجابة الشعبية، ويظهر من هذا التعليق المختصر أن الأزمة الليبية لا تكمُن فقط في القرارات الدولية، بل أيضاً في الإفتقار المحلي للقراءة الإستراتيجية الواعية التي تُدرك التهديدات الكامنة خلف المواقف الظاهرية.
توصية ختامية:
إن التعامل مع القرارات الدولية، خصوصاً تلك الصادرة عن مجلس الأمن، يستوجب وجود مراكز تحليل سيادي وأُطر قانونية ودبلوماسية مُتقدمة، تُمكن الدولة الليبية من فهم السياقات العميقة وإتخاذ مواقف مبنية على إدراك شامل لا يقتصر على السطح السياسي بل يغوص في أبعاده القانونية، الأمنية، والدولية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مداخلة الدكتور محمد الصغير
أولاً: البعد السياسي – القانوني: سؤال السيادة تحت مظلة الشرعية الدولية
إفتتح الدكتور محمد الصغير مداخلته بالتنويه إلى أهمية العودة إلى نص القرار الدولي ذاته، بإعتباره أساس أي نقاش قانوني وسياسي مسؤول.
وركز على البند الذي ينص على أن "الحالة في ليبيا لا تزال تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين"، وهو ما يُبرر – بحسب القرار – إستمرار التعامل مع الملف الليبي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن الدكتور محمد الصغير يطرح تساؤلاً محورياً:
"إذا كانت العملية السياسية يقودها الليبيون وتُيسرها الأمم المتحدة، فلماذا لا نزال نخضع للفصل السابع؟"
في طرحه، يُبرُز تناقضاً صارخاً بين المُعلن الدولي حول قيادة الليبيين لمصيرهم، وإستمرار الإخضاع القانوني والسياسي لدولة ذات سيادة لبند يُفترض أنه يُستخدم في حالات "التهديد الحقيقي للسلم الدولي"، وأشار إلى أن مُبررات عام 2011 لم تعد قائمة اليوم، ما يستدعي مراجعة سياسية وقانونية جادة من النُخب والمؤسسات الوطنية.
ثانياً: البُعد القانوني الدقيق – إشكالية المفاهيم والنصوص
لفت الدكتور محمد الصغير النظر إلى ملاحظة لغوية قانونية دقيقة؛ حيث أشار إلى أن ميثاق الأمم المتحدة يستخدم مصطلح "السِلم" وليس "السلام"، وهو فرق جوهري، فـ"السِلم" نقيض الحرب، بينما "السلام" أوسع وأشمل كمفهوم، وإستخدام "السلام" في القرار يُثير علامات إستفهام حول صحة التعبير القانوني ودلالاته، وربما يُفهم منه وجود توسيع غير دقيق للمسوغات القانونية التي تُبرر إستمرار تطبيق الفصل السابع على ليبيا.
ثالثاً: الجانب الاقتصادي – الاستثمار المُجمد وغياب الإدارة الذكية
ينتقل الدكتور محمد الصغير إلى الجانب الاقتصادي، مُشيراً إلى إشكالية الأموال الليبية المُجمدة في الخارج، والتي تُهدر وتتآكل دون أن تكون للدولة الليبية القدرة على إدارتها أو استثمارها بالشكل الذي يخدم إستقرارها وتنميتها.
ويدعو إلى التفكير في آلية ذكية وطنية لإستعادة السيطرة على هذه الأموال أو إدارتها عبر أدوات سيادية تحفظها وتوجهها نحو تحقيق الإستقرار، بدلاً من تركها عرضة للتآكل والجمود تحت وصاية دولية.
رابعاً: البُعد الجيوسياسي والدولي – الأمم المتحدة كـ"مدير أزمة" لا "صانع حلول"
يركز الدكتور محمد الصغير نقدهُ على دور بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، قائلاً إن التبديل المتكرر للمبعوثين الأمميين وتجديد المهام لا يعكس وجود نية لحل الأزمة بقدر ما يُشير إلى إدارة مستمرة للأزمة نفسها.
ويُشير إلى أن ليبيا ليست بحاجة إلى مديرين للأزمات، بل إلى صانعي حلول دوليين نزيهين وشركاء صادقين.
هذا الموقف يُسلط الضوء على حالة الجمود الجيوسياسي الذي تُبقيه بعض القوى الكبرى، إما بسبب تضارب مصالحها أو ضعف إرادة الحل.
خامساً: النداء الوطني – العمل السياسي والضغط المؤسسي
في ختام مداخلته، يدعو الدكتور محمد الصغير إلى تحرك وطني مُنظم يبدأ من القوى السياسية الوطنية مثل حزب السلام والازدهار، ويشمل:
- إصدار بيان رسمي يطالب برفع ليبيا من تحت الفصل السابع.
- مخاطبة الحكومة والمجلس الرئاسي بمذكرة قانونية وسياسية واضحة المعالم.
- ممارسة الضغط الشعبي والسياسي على الأمم المتحدة من أجل إنهاء هذه الوضعية القانونية الإستثنائية وغير المُبررة.
- ويؤكد أن الصوت الوطني الموحد بات ضرورة لمواجهة هذا الإستمرار التعسُفي في وصاية غير مشروعة.
خلاصة تحليلية شاملة:
سياسياً وقانونياً: إستمرار إخضاع ليبيا للفصل السابع يتنافى مع مبدأ السيادة الوطنية ويتطلب حراكاً دبلوماسياً قانونياً مُنسقاً لإنهائه.
اقتصادياً: الأموال المُجمدة تمثل مورداً إستراتيجياً يجب إستعادته وإدارته وطنياً.
جيوسياسياً: الأمم المتحدة لم تخرج بعد من نمط "إدارة الأزمة"، والملف الليبي يُستخدم ضمن حسابات النفوذ الإقليمي والدولي.
وطنياً: هناك ضرورة لبناء حراك وطني موحد على مستوى الأحزاب، النُخب، والحكومة من أجل تحرير القرار الليبي من التبعية القانونية والسياسية الخارجية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق الدكتور يوسف الصواني
أولاً: البعد السياسي والجيوسياسي
عبّر الدكتور يوسف الصواني عن قناعة عميقة بأن المواقف السياسية، مهما بلغت من صدق أو وطنية، تبقى محدودة الأثر على الساحة الدولية إذا لم تقترن بوحدة وطنية حقيقية، ويُشير هنا إلى إشكالية التشرذُم السياسي في ليبيا، ويعتبر أن أي خطوة، كإصدار بيان من حزب أو مجموعة من الأطراف، هي في أحسن الأحوال رمزية، ما لم تتكامل ضمن موقف وطني شامل ومتماسك.
ومن هذا المنظور، فإن القراءة الجيوسياسية لمواقف القوى الإقليمية والدولية توضح أن تأثير الدول يُقاس بوحدة قرارها، وليس بعدد بياناتها.
ثانياً: البُعد الاجتماعي
يظهر في حديث الدكتور يوسف الصواني إدراك واضح للواقع المجتمعي الليبي المتأزم، حيث يُشير إلى صعوبة توحيد الموقف الليبي العام، وهذا يُشير ضمنياً إلى التحديات الاجتماعية المرتبطة بتآكل الثقة بين المكونات، وضعف التوافق بين الفاعلين، بما يعكس عُمق الإنقسام بين أبناء الوطن الواحد.
كما أن الروح الوطنية التي أثنى عليها في حديث الدكتور محمد الصغير تُبرز من جهة أخرى، حاجتنا لإعادة إحياء القيم الجامعة في وجدان المواطنين، بما يتجاوز الخطاب اللفظي إلى الممارسة الفعلية.
ثالثاً: البُعد القانوني والمؤسسي
رغم أن الحديث لا يتطرق بشكل مباشر إلى الجانب القانوني، إلا أن التأكيد على إصدار البيانات من "الحزب أو الحاضرين" يوحي بإدراك أهمية الأُطر المؤسسية في صناعة الموقف العام.
وفي هذا السياق، فإن تعزيز الأثر القانوني والسياسي لأي موقف يتطلب تفعيل أدوات الدولة الدستورية، وليس فقط التعبير الرمزي من قبل كيانات حزبية أو نخبوية غير موحدة.
رابعاً: البعد الأمني والعسكري
الغياب غير المباشر لمؤسسات الأمن والدفاع في الحديث يعكس ما يمكن إعتباره فجوة مركزية في بُنية الدولة الليبية الراهنة، إذ أن توحيد الموقف الوطني غالباً ما يرتبط أيضاً بتوحيد القرار العسكري والأمني، وهي إشارة ضمنية إلى أن تأثير البيانات السياسية سيبقى محدوداً في ظل غياب إرادة سيادية موحدة تقف خلفها مؤسسات عسكرية وأمنية مُتماسكة.
خامساً: البُعد الاقتصادي والاستثماري والنفطي
رغم أن التعليق لم يتناول الجوانب الاقتصادية أو النفطية بشكل مباشر، إلا أن الحديث عن "نظرة العالم" يُشير إلى أن إهتمام المجتمع الدولي بالوضع الليبي ليس قائماً على القيم أو المبادئ فحسب، بل تحكُمُه إعتبارات واقعية تتعلق بالمصالح الاقتصادية والنفطية والاستثمارية.
ومن هنا، فإن توحيد الموقف الليبي من شأنه أن يعزز ثقة العالم بالإستقرار في ليبيا، ما يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية ونفطية كبرى، ويُعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية للبلاد ضمن أجندة دولية أكثر جدية.
خلاصة تحليلية
يركز تعليق الدكتور يوسف الصواني على إشكالية مركزية في المشهد الليبي المعاصر: غياب التوحد الوطني كمُعيق لتأثير الخطاب السياسي والوطني في الخارج، وهو يُوجِه رسالة نقدية واقعية: مهما كانت نوايا الأحزاب أو الشخصيات الوطنية صادقة، فإن تأثيرها سيظل محدوداً ما لم تتوحد الإرادة الوطنية الليبية تحت مظلة جامعة.
وفي العمق، يُشير التعليق إلى أزمة في المشهد الليبي ليست فقط سياسية، بل مُركبة ومتعددة الأبعاد، تشمل المجال الاجتماعي، الأمني، الاقتصادي، وحتى القيمي، وتتطلب رؤية إستراتيجية مُتكاملة تتجاوز البيانات الرمزية إلى بناء موقف وطني حقيقي وفاعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المُداخـــــلات
مداخلة المهندس محمد خالد الغويل رئيس حزب السلام والازدهار
أولاً: الجانب السياسي والجيوسياسي
في مداخلة تتسم بالجرأة والوضوح، قام المهندس محمد خالد الغويل بتقديم قراءة نقدية لتاريخ وتداعيات قرارات مجلس الأمن المتعلقة بليبيا، والتي بلغت 48 قراراً منذ عام 2011 وحتى اليوم.
حيث أكد على تشبيه الدكتور أحمد الجهاني وإتفقه معه بشأن الوضع السياسي الراهن بحالة "هوتيل كاليفورنيا"، في دلالة على العجز عن مغادرة حالة التبعية الدولية رغم محاولات التحرر الأسمية، ورأى أن هذه القرارات تتكرر بصيغ مختلفة دون معالجة جوهرية للأزمة الليبية، مما يُعمق الإرتهان الخارجي ويفاقم فقدان السيادة الوطنية.
وإعتبر أن القرار الأخير رقم 2769 يُشكل منعطفاً خطيراً، كونه أعاد صراحة إستخدام عبارة "مجلس الأمن يتصرف تحت الفصل السابع" لأول مرة منذ عام 2011، في خطوة تُعيد تأطير ليبيا كملف أمني دولي مُهدد للسلم العالمي، وهو ما يستدعي يقظة سياسية وتحركاً دبلوماسياً عاجلاً.
كما إنتقد الغموض الذي يكتنف الصياغات الأممية، مثل السماح بإدخال المساعدات الإنسانية مصحوبة بالسلاح، وإعتبرها مدخلاً لشرعنة تدخلات مُحتملة غير مُعلنة الأهداف.
ثانياً: الجانب القانوني والدبلوماسي
أكد المهندس محمد خالد الغويل على أهمية تطوير تحليل وطني مُمنهج لكل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، عبر تأسيس وحدة متخصصة داخل الدولة تضم قانونيين ودبلوماسيين ومجموعة من الخبراء والمختصين، تستهدف بلورة إستراتيجية لإستعادة القرار الليبي وفق مراحل مدروسة.
ودعا إلى تفعيل أدوات الدبلوماسية الليبية المُهملة كالسفارات والمندوبين الدائمين، لتوجيه رسائل سياسية وقانونية صارمة تؤكد على رفض التدخلات المباشرة وغير المباشرة في الشأن الليبي.
ثالثاً: الجانب الاقتصادي
كشف المهندس محمد خالد الغويل عن خلل بنيوي في إدارة الموارد الليبية، مُنتقداً بشدة إستخدام مقدرات الدولة في الصراعات الداخلية، مما أدى إلى فقدان الإستقرار وتدهور الاقتصاد الكُلي.
وأشار إلى أن الدولة أنفقت أكثر من 1000 مليار دينار ليبي خلال الفترة من 2012 حتى عام 2025، بينما تم تعديل سعر الصرف ثلاث مرات، ما أسفر عن تآكل القدرة الشرائية بنسبة 80%، هذه المعطيات تعكس، بحسب قوله، عجزاً فاضحاً في إتخاذ قرارات سيادية تصُب في مصلحة المواطن وتضمن الإستقرار المالي والنقدي.
رابعاً: الجانب الاستثماري والنفطي
ورغم عدم تناول الملف النفطي بشكل مُفصل، فإن المهندس محمد خالد الغويل ألمح ضمناً إلى أن التبعية في القرار السيادي، وإستمرار الفوضى السياسية، يُفرغان أي رؤية استثمارية أو نفطية من مضمونها، فالاستثمار لا يستقيم في بيئة تتسم باللايقين القانوني والسياسي، والنفط بات وسيلة لتمويل الصراع لا أداة للتنمية.
خامساً: الجانب الأمني والعسكري
شدد المهندس محمد خالد الغويل على أن القرارات الدولية تُحمِل ليبيا توصيفات أمنية خطيرة تُبرر التدخل الأجنبي، بينما فشلت السلطات في بناء مؤسسة أمنية أو دفاعية وطنية موحدة قادرة على فرض السيادة.
وأشار إلى أن ليبيا إستهلكت مواردها العسكرية والبشرية في صراعات داخلية دمرت المُدن والبُنى التحتية، وهو ما وصفه بـ"الإنتحار الجماعي"، داعياً إلى توجيه هذه الطاقات نحو بناء جيش وطني ومؤسسات أمنية تخدم الوطن لا الأطراف.
سادساً: الجانب الاجتماعي والوطني
عبّر المهندس محمد خالد الغويل عن مخاوفه من الإنهيار المجتمعي الناجم عن 14 عاماً من الفوضى، داعياً الليبيين إلى الإستفاقة من حالة الإحباط المُزمن، وإستعادة الوعي الجمعي بقيمة السيادة والقرار الوطني.
ودعا في ختام مداخلته إلى تحمُل المسؤولية التاريخية، مؤكداً أن الفرق بين المسؤول والمواطن هو الإحساس العميق بالواجب الوطني تجاه الأجيال القادمة، مُحذراً من إستمرار ما سماه بـ"حفلة الإنتحار الجماعي".
خلاصة عامة وتوصيات إستراتيجية
- إستعادة القرار الليبي يتطلب خارطة طريق وطنية شاملة تبدأ بتحليل عميق لقرارات مجلس الأمن وتفعيل أدوات الدولة.
- تحصين القرار السياسي لا يمكن أن يتم دون إصلاح اقتصادي عادل، ومؤسسة أمنية موحدة، ودبلوماسية فاعلة.
- رفض التبعية الدولية لا يعني الإنعزال، بل بناء شراكات على أساس السيادة والمصالح الوطنية.
- إدارة الموارد يجب أن تتحول من أدوات للصراع إلى قاطرة للتنمية.
- الوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل هي الشرط الموضوعي الأول لأي مشروع نهضوي وتنموي في ليبيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



