تمر ليبيا بمرحلة مفصلية حاسمة من تاريخها المعاصر، نتيجة لاختلالات هيكلية في بنائها منذ استقلالها، واستمر الأمر عقودا من الزمن لم يقوم، ولم يصحح مساره بشكل مستمر، فكانت النتيجة هي هشاشة البنيان والتفتت المجتمعي، ومن ثم تعرضه لمخاطر الانهيار ككيان ودولة بعد حوالي سبعين عاما من تأسي…
- خلفية عامة:
تمر ليبيا بمرحلة مفصلية حاسمة من تاريخها المعاصر، نتيجة لاختلالات هيكلية في بنائها منذ استقلالها، واستمر الأمر عقودا من الزمن لم يقوم، ولم يصحح مساره بشكل مستمر، فكانت النتيجة هي هشاشة البنيان والتفتت المجتمعي، ومن ثم تعرضه لمخاطر الانهيار ككيان ودولة بعد حوالي سبعين عاما من تأسيسها، هذه المرحلة تتطلب بناء دولة الاستقلال الثانية على أسس جديدة.
مـرت ليبيا خـلال الفترة ما بيـن 1952 و2022 بتجـارب سياسيـة مختلفـة، وبأنظمـة حكـم متناقضـة، وإصرار كل نظام على إلغاء سلفه، وإلقاء كل ماله وما عليه في المهملات، وإقامة نظام نقيض ينتهي في الغالب إلى ما انتهى إليه من سبقه.
ولعل قـراءة عميقة للأزمـات التي مـرت بها ليبيا في تاريخها المعاصر، وتمر بها بشكل عنيف خلال اثنا عشر سنة الأخيرة، نستنتج التشابه في أسبـاب حدوثها، وأن الصراع لن يتوقف بغض النظر عن الأشكال التي يتخذها، وعن شكل نظام الحكم وشعاراته ونواياه، ما لم توضـع الحلول الناجعة والنهائية لمسببات تلك الأزمة.
فلا سبيل لبناء ليبيا إلا بإنهاء حالة الصراع المسلح، ومواكبة المتغيرات، ومجاراة الأحداث، واقتناص ما تتيحه من فرص، وعقد الشراكات، والاندماج في اقتصادات العالم، والتفرغ للمنافسة، بتنمية القدرات، واستثمار الإمكانات، وتسخير الجهود للاستقرار والتنمية وصولاً لتحقيق الهدف المنشود في السلام والاستقرار والنماء والازدهار والتطلع لغد مشرق لأجيال تقود بلداً متقدماً ومزدهراً يفخرون بانتمائهم له.
يبدأ الحل بفهم الأسباب العميقة للأزمة وعدم الاكتفاء بالتفاعل مع مظاهرها وتداعياتها، ولعل أهم أسباب الأزمة الليبية يرجع إلى الأتي:
أولا: غياب الحوار المجتمعي الشامل للتوافق على ميثاق وطني (عقد اجتماعي) يحدد الأسس والمبادئ الحاكمة للعيش السلمي المشترك، ورؤية توافقية للمستقبل المشترك لجميع الليبيين، الأمر الذي أضعف بناء الدولة ومؤسساتها منذ تأسيسها لغياب مرجعيتها المجتمعية الأساسية.
ثانيا: غياب الأسس التوافقية لإدارة عوائد النفط والموارد الطبيعية منذ اكتشاف النفط والشروع في تصديره، لقد تزامن ذلك مع التوجه إلى النظام المركزي منذ 60 سنة، الأمر الذي نتج عنه في المحصلة ثقافة سلبية شكلت بعمق أركانا اقتصادية وثقافية واجتماعية، حيث يتحول المواطن في المجتمعات الريعية من خانة الفعل إلى خانة الطلب والنقد والانتظار وردود الأفعال.
نتج عن النظام المركزي وتحكمه في الريع النفطي ثقافة اتكالية تبناها ورسخها المجتمع، وهي ثقافة لا تبرز قدسية وضرورة العمل، وتحمل المسؤولية، ولا تعمل على غرس هذه القيم في النشء، كما افسدت ثقافة العمل وأفرغت مفهوم العمل من مضمونه، فلا وعي بتحسين الانتاجية أو بإتقان العمل مع غياب شبه كامل لعلاقة المجهود والمردود والانتاجية والعائد.
الدولة ذاتها في المجتمعات الريعية تصبح ضحية هذه الثقافة فهي دولة رخوة تشتري سكوت المواطن وتشتري الولاءات بمرتب أو بمكافأة أو علاوة أو ترقية أو منحة أو هبة أو مساعدة أو فرص غير عادلة، دون وجود مبرر من إنتاجية إضافية حقيقية أو تميز في الأداء. كما ان الاستقلال المالي للدولة بمعزل عن القطاع الخاص وضرائبه يقوي قابليتها على ترويض معارضيها وتجنب المساءلة الحقيقية مما يعزز الاستبداد والمناخ المعادي للمشاركة الديمقراطية ويعرقل نشوء وتطور آليات المراقبة والمحاسبة والتقويم ويساعد على الفساد وانتشاره.
لقد ساهمت ثقافة الريع مع حالة الانفلات التي صاحبت سنوات الصراع الأخيرة والاصرار خلالها على استمرار تركز السلطة والمال والقرار بالمركز، في بروز قناعة لدى عدد غير قليل بضرورة الوصول إلى المال بأي وسيلة وان كانت غير مشروعة فحدث نموا كبيرا في التجارة غير المشروعة (كتهريب الوقود والبشر والسلاح والمخدرات) فضلا عن التلاعب في الواردات والتحويلات المالية والتعاقدات، مما أدى إلى تركز المال عند فئة صغيرة، وتوسع الهوة بينها وباقي المجتمع الذي عانت طبقته الوسطى كثيرا وانكمشت بوضوح كنتيجة لتردي الحالة الاقتصادية، وبروز عصابات جريمة منظمة ذات مصالح كبيرة ومراكز نفوذ تزيد وتتشابك داخليا ودولياً تربك حاضر ومستقبل البلاد، وتزيد من مخاطر تأخير تحقيق الاستقرار، وأصبحت تؤثر بشكل متصاعد ومتسارع على صناعة القرار السياسي والاقتصادي وتطمح في السيطرة الكاملة على المركز وسلطاته المتعددة والتفرد بالنفوذ والمال.
ثالثا: مقاربة الحلول التي تطرح في ليبيا من قبل الأمم المتحدة في العشرية المنقضية مؤسسة على مبدأ تقاسم السلطة (لقد ترجم المصطلح الأصلي من الإنجليزية إلى العربية بشكل خاطئ فتحول من التشارك في السلطة إلى تقاسم السلطة وعلى أي حال ليس بناء الدولة)، فترسخت المحاصصة وأبعدت الكفاءة والجدارة، وغاب مشروع بناء الدولة، وحل محله التعامل المجزأ مع القضايا وبطريقة ردود الافعال، لقد جربت هذه المقاربة عبر السنوات الاخيرة في ليبيا وأدت إلى نتائج كارثية ماثلة للعيان. لذا فإن تكرارها لن يكون إلا تأجيلا مؤقتا لصراع مسلح جديد وعنيف، واستمراراً لمسلسل الانهيار الشامل. فالصراع السياسي سيعيد تدوير الصراع المسلح في حال لم يكن الاتفاق شاملاً ومؤسساً على مشروع وطني لبناء الدولة وشراكة طويلة المدى في تنفيذه وتطويره بين كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين.
رابعا: تدويل الحالة الليبية وتعدد وتناقض مصادر التدخل الخارجي المباشر في القرار الليبي، والارتهان لتوافقـات وتوازنــات ومصالح دولية وإقليمية معقدة.
أدى كل ذلك إلى بروز تهديدات وتحديات كثيرة وكبيرة ومعقدة أمام ليبيا ومستقبلها بعضها يهدد وجود الكيان واستمراره وتحديات متنوعة اقتصادية واجتماعية ومؤسسية.
- الحكم المحلي كأساس لاستقرار ليبيا:
أصبح لزاما التوجه إلى بناء مؤسسات الدولة من المحليات إلى المركز، وعلى مفهوم المشاركة في السلطة والحكم والمسؤولية بين جميع الليبيين، بحيث يتم استحداث 13 ولاية أو مقاطعة أو إقليم وفقا للدوائر الانتخابية القائمة منذ أكثر من عشر سنوات، ويتم إجراء الانتخابات لانتخاب المجالس التشريعية للولايات، وتكون تلك المجالس مختصة كلا في نطاقها المحلي بإصدار القوانين، باستثناء القوانين الأساسية، التي تحدد حصرا لتكون من مسؤوليات البرلمان المركزي، كما يكون لهذه المجالس بالولايات إختصاص تسمية رؤساء الحكومات وإعتمادها وإعتماد برنامجها ومتابعتها ومسائلتها واستبدالها.
تؤول كافة الاختصاصات المناطة حاليا بالحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية باستثناء ما يتعلق باختصاصات الخارجية والدفاع والأمن وإدارة الاقتصاد الكلي والعدل واختصاصات التنظيم للخدمات الأساسية والاجتماعية والمتابعة والتقويم.
يجب أن يتضمن القانون المنظم للحكم المحلي مصادر الإيرادات التي تشكل إيرادات الميزانية المحلية لكل ولاية سواء كان ذلك من الإيرادات المحلية أو من عوائد الموارد الطبيعية، بحيث تكون الإيرادات المحلية بالكامل للولاية وبالنسبة للأصول الوطنية التي تقع في الحدود الادارية لأحد الولايات فيكون للولاية الحق في نسبة محددة من عوائدها والباقي يوزع على باقي الولايات وفقا لمعيار السكان والمساحة لكل ولاية. أما عوائد النفط والغاز فيقترح تخصيص نسبة محددة منها للجهة التي يستخرج منها المورد، والنسبة الأكبر تخصص للولايات بمعيار السكان والمساحة كما ذكر، ونسبة للحكومة المركزية للقيام بمهامها المحددة، ويحدد القانون النسب المشار إليها.
بعد انتهاء الانتخابات المحلية وانتقال سلطات ومسؤوليات الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية تجرى الانتخابات الرئاسية وانتخابات البرلمان المركزي الذي يختص بإصدار القوانين الأساسية التي يتم تحديدها حصرا في التشريع الذي ينظم الحكم المحلي، ويحدد الآليات التنظيمية لضمان التكامل بين المحليات والمركز.
يستهدف هذا التحول من النظام المركزي إلى نظام الحكم المحلي بالإضافة إلى ضمان المشاركة الواسعة في السلطة والحكم وتقاسم المسؤولية بين جميع الليبيين إلى الآتي:
- فك الاشتباك بين الليبيين وتوجيه الموارد البشرية والمادية نحو التنمية والتطوير.
- تفكيك محركات الصراع مما يرسخ الاستقرار.
- المحافظة على وحدة الدولة واستقرارها وإنهاء الدعوات الانفصالية التي تستعمل التهميش كواجهة لاستثمار الغضب الشعبي.
- تخفيض خطورة هيمنة المجموعات المسلحة والعصابات الاجرامية على الدولة ومستقبلها تلك المجموعات التي تجد في تركز السلطة والمال في نقطة واحدة فرصة سانحة للانقضاض والسيطرة.
- تخصيص التمويلات المالية لحل المختنقات وفقا للأولويات التي تحدد محليا. مما يؤدي إلى تحسن ملموس في كفاءة إستخدام وإدارة التمويلات المالية وتحسين مستوى الحياة والمعيشة للمواطنين.
- إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه وتعزيز دور القطاع الخاص ليكون هو الأساس في كافة المجالات الانتاجية والخدمية، والمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني من خلال إستثمار الفرص والموارد الطبيعية المحلية التي لم يتم الالتفات إليها خلال العقود الماضية، وبالتالي سيقتصر دور المؤسسات العامة على التنظيم والمتابعة والتقويم وشبكة الحماية الاجتماعية وتطوير الموارد المالية العامة.
- سيتحول الضغط الاجتماعي المحلي إلى عامل مهم للسيطرة على النهب ومكافحة الفساد، وإبتكار نماذج متنوعة لحل قضايا أساسية كالمصالحة الوطنية، وتنظيم حمل واستعمال السلاح، وإدماج المسلحين، نماذج تنسجم مع الثقافة المجتمعية لكل ولاية.
- فتح المجال للتنافس الايجابي بين المحليات لتحسين مستوى الحياة والمعيشة وضمان تحقيق التنمية المكانية المتوازنة والمستدامة.
- الطريق إلى الأمام:
إن الطريق إلى الأمام في أي حل سياسي للأزمة الليبية يتطلب الربط المحكم بين المعالجات العاجلة التي يتطلبها الحاضر مع متطلبات استدامة الاستقرار والتأسيس لدولة حديثة، لتفادي المزيد من التعقيدات أو التعارض بين الإجراءات التكتيكية والمسارات الاستراتيجية اللازمة لضمان تحقيق الاستقرار واستدامته، وبناء دولة ليبيا الحديثة التي تسهم في تقديم نموذج للحداثة والتنمية والاستقرار في إقليم مضطرب تتكاثر وتتفاعل بداخله تهديدات وتحديات متعددة للاستقرار، لعل في مقدمتها إرتفاع مؤشرات التخلف والتطرف والإرهاب والفقر والأمية وانسداد الأفق الاقتصادي والإحباط المجتمعي وتنامي التجارة غير المشروعة والفساد، فضلاً عن تحديات العوامل البيئية التي في مقدمتها الصحراء الكبرى الشاسعة وزحفها الملحوظ من خلال تسارع ظاهرة التصحر بالتزامن مع التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار الشحيحة أصلاً في الإقليم.
أمام هذا الواقع فإن الهدف لأي مسار للخروج من الأزمة يجب أن يترجم أهدافا استراتيجية أساسية لعل أهمها:
- معالجة الانسداد السياسي الحالي وتجديد شرعية ومشروعية السلطات السياسية التشريعية والتنفيذية.
- التعامل مع أسباب الأزمة بتعقيداتها العميقة في جوانبها المتعددة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وعدم الاكتفاء بالتفاعل مع أعراضها وتداعياتها.
- التكامل بين متطلبات المرحلة الآتية والقصيرة المدى مع المسار المتوسط والطويل المدى.
- الارتكاز على المؤسسات السياسية المتمثلة في الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في حل الأزمة، وإشراك جميع المواطنين من خلال الاستفتاء على المخرجات والوثائق الأساسية.
تأسيساً على ذلك فإن الطريق إلى الأمام يتطلب التوافق على قاعدة دستورية تعكس إتفاقاً سياسياً يضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية المطاف، ويضع القواعد اللازمة للحكم المحلي، وإعادة هيكلة الاقتصاد، ولبناء وتطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تقوم بمهامها تحت السلطة المدنية.
يقترح إجراء استفتاء شعبي على القاعدة الدستورية حتى تكون هي الوثيقة التأسيسية للمرحلة القادمة وتفتح الطريق نحو مرحلة جديدة، تكون ايذاناً بانطلاق دولة الاستقلال الثانية بعد سبعين سنة من الاستقلال وتأسيس الدولة الأولى، ذلك سيسهم بكل تأكيد في إنهاء الجدل الدستوري والقانوني المستمر منذ سنوات، وابعاد التوظيف السياسي لذلك الجدل في إطالة أمد الصراع.
ستكون حينها قواعد دستورية أساسية مستفتئ عليها من المواطنين وبالتالي تكون أساساً لإصدار ولتعديل التشريعات بما ينسجم معها، وهو أمر أساسي للخروج من كثير من الأزمات وانهاء حالات التأزيم المستمر.
من الأهمية التنبيه إلى خطورة تأسيس أي حوارات سياسية على أساس التصنيفات السياسية بالانتماء للأنظمة السياسية السابقة والحالية (ديسمبر – سبتمبر – فبراير – الكرامة) أو الانتماء الاجتماعي (القبلي والجهوي) ذلك أن الاعتماد على التصنيفات المذكورة يتوقع أن يجعل ممثليهم في الحوارات يجتهدون لتحقيق هدفين أولهما تبرئة تياره السياسي أو الجهوي مما آلت إليه أوضاع البلاد وإدانة الآخرين، وثانيهما الرجوع بأكبر قدر من المغانم المتاحة في الحاضر، ذلك سيقضي حتماً على أي اتفاق يحقق مقاربة بناء الدولة الحديثة بليبيا، بل سيعمق الصراع ويبعد الاستقرار ويرسخ هذه التصنيفات ويعزز وجودها حاضراً ومستقبلاً، ويمدها بقوة غير مبررة وغير مستحقة، ويجعل الصراع على تقاسم مغانم الحاضر والانتصار للماضي هما الهدف والنتيجة، وتتراجع فرص الاستقرار وترسيخ المواطنة المتساوية وبناء المستقبل المنشود والدولة الحديثة إلى عقود قادمة إن لم يكن إلى الأبد.
البديل المنطقي هو اختيار المتحاورين على أساس القيمة المضافة للمستقبل بتعزيز دور المؤسسات السياسية التي في مقدمتها الأحزاب السياسية ثم النقابات ومنظمات المجتمع المدني، بحيث يؤسس أي حوار سياسي على هذه المؤسسات، ذلك سيضمن ترسيخ المواطنة المتساوية وتحفيز كل من يريد ممارسة العمل السياسي على الانضمام للأحزاب السياسية، مما يقوي الحالة السياسية الصحيحة المبنية على المؤسسات وليس الأفراد أو التيارات المتناحرة، التي من الممكن أن تذوب بالتدريج داخل الأحزاب السياسية حيث تتفاعل بداخلها الأفكار والبرامج، ويتم تطوير الأفكار بشكل مستمر مما يذيب التكتلات المبنية على الماضي وصراعاته وتناقضاته.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري