+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهاربناء الدولة وإنقاذ الوطن

الكلمة الأخيرة للشعب، لماذا الإستفتاء هو المدخل الحتمي لإنقاذ ليبيا؟

عمر الحبيشي 5 د قراءة0 مشاهدة
الكلمة الأخيرة للشعب، لماذا الإستفتاء هو المدخل الحتمي لإنقاذ ليبيا؟

في غمرة التجاذبات السياسية الراهنة، وأمام تعدد المبادرات الدولية والمحلية – وأخرها ما يعرف بـ "الحوار المهيكل" – يجد المرء نفسه ملزماً، بدافع المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بأن يتجاوز لغة "توصيف الأزمة" إلى لغة "إبتكار الحلول". إننا اليوم، كليبيين لا نبحث عن مجرد تسوية عابرة، بل ن…

في غمرة التجاذبات السياسية الراهنة، وأمام تعدد المبادرات الدولية والمحلية – وأخرها ما يعرف بـ "الحوار المهيكل" – يجد المرء نفسه ملزماً، بدافع المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بأن يتجاوز لغة "توصيف الأزمة" إلى لغة "إبتكار الحلول".
إننا اليوم، كليبيين لا نبحث عن مجرد تسوية عابرة، بل نتوق إلى بناء دولة، والفرق بين التسوية والبناء كالفرق بين المسكنات والعلاج الجذري.
ومع طول أمد المرحلة الإنتقالية التي إستنزفت الوطن والمواطن، أصبح من المُحتم علينا أن نتوقف لحظة لنصارح أنفسنا بالحقيقة العارية : لقد وصلت الحلول الجزئية والمبادرات النخبوية إلى طريق مسدود.
إن جوهر الأزمة لم يعد مجرد صراع على السلطة، بل هو أزمة شرعية عميقة، سببها غياب تفويض شعبي صريح يحدد شكل الدولة وقواعد الحكم فيها.
كما إن الإستمرار في سياسة "إدارة الأزمة" بدلاً من حلها، وتكرار نفس الأدوات السابقة، هو إستنزاف للوقت والجهد، وإهدار لمقدرات شعب يراقب المشهد بألم وأمل في آنٍ واحد.
وأيضاً إن المعضلة الحقيقية التي تواجه "الحوار المهيكل" أو أي مسار أخر، هي "فجوة التمثيل"، فمع كامل الإحترام لكل القامات الليبية يبقى السؤال المشروع: (من يملك التفويض للتوقيع نيابة عن ملايين الليبيين؟)، من هنا تأتي الرؤية الراسخة بأن تحصين أي إتفاق سياسي قادم لا يكون عبر المحاصصة المقيتة أو الترضيات، بل عبر إعادته إلى صاحبه الأصيل (الشعب الليبي).

وإنطلاقاً من كوني أحد أبناء هذا الوطن الداعين لبناء الدولة، فإنني أدفع بطرح "الإستفتاء على المخرجات" ليس كخيار ترفي، بل كضرورة حتمية وشرط أساسي ورئيسي لنجاح أي مسار قادم.

أولاً: من رد الفعل إلى قيادة الفعل .. إستعادة القرار الوطني
قبل الخوض في أي تفاصيل فنية، يجب أن نقف أمام حقيقة إستراتيجية كبرى: لقد آن الأوان لإستعادة القرار الليبي لليبيين.
لا يمكن لدولة أن تُبنى وقرارها مرتهن للخارج، ولا يمكن لشعب أن ينهض وهو مجرد متفرج ينتظر ما يقرره الآخرون لمستقبله، لذا يتوجب وبشكلٍ حقيقي إستعادة القرار الليبي لليبيين والتحرر من هيمنة الدول الخارجية على القرار.

إن الإستفتاء ليس مجرد آلية قانونية، بل هو فعل سيادي من الدرجة الأولى، إنه اللحظة التي يتحول فيها الشعب من خانة "ردود الأفعال" على مبادرات الغير، إلى خانة "قيادة الفعل"، إنه الإعلان الصريح بأننا نحن من يقرر مصيرنا، ونتحمل مسؤولية إختياراتنا بشجاعة، هذه النقلة النوعية في الوعي الوطني هي الشرط الأول والأساسي للخروج من النفق المظلم.

ثانياً: الإستفتاء يؤسس الدولة، والإنتخابات تُديرها
يطرح الكثيرون الإنتخابات كحل، لكن التجربة أثبتت أن الإنتخابات حين تُجرى في فراغ دستوري تتحول إلى وقود للصراع لا أداة للإستقرار.

قبل أن نسأل "من يحكم؟"، يجب أن نجيب على السؤال الأهم: "ما هي قواعد الحكم؟"، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم الناجحة تبني أساساتها أولاً، ثم تشيد طوابقها، والإستفتاء هو حجر الأساس الذي لا غنى عنه، والإنتخابات هي الطوابق التي تأتي لاحقاً، إن من يقترح الإنتخابات أولاً، فهو يقترح بناء قصر على الرمال.

ثالثاً: من حوارات النُخب إلى تفويض الشعب
إن مسارات الحوار بما فيها "الحوار المهيكل" الذي تقوده البعثة الأممية، تبقى جهوداً مُقدرة، لكنها بطبيعتها حوارات بين نُخب، ولكي لا تبقى مخرجاتها مجرد حبر على ورق، ولكي تكتسب القوة والإلزامية، لا بد من عرضها على المالك الحقيقي للسيادة (الشعب).
الإستفتاء هو الجسر الذي يعبر بهذه المخرجات من غرف الإجتماعات المغلقة إلى رحاب الشرعية الشعبية

الواسعة، وهو الضمانة الوحيدة لتحصينها ضد أي طعن أو إلتفاف في المستقبل.

رابعاً: إستفتاءات تأسيسية تمهيدية .. لا إستفتاء على دستور أعمى
وهنا يجب أن نفرق بوضوح: إن الدعوة ليست للإستفتاء الفوري على مشروع دستور 2017 ككتلة واحدة صماء، فالإستفتاء على وثيقة كاملة بـ "نعم" أو "لا" هو إستفتاء أعمى، فإذا قال الشعب "لا"، كيف سنعرف أسباب رفضه؟ هل هي مادة أم باب أم فلسفة المشروع بأكمله؟.
إن ما يجب الدعوة إليه هو إستفتاءات تأسيسية تمهيدية، تُطرح فيها على الشعب أسئلة واضحة ومباشرة تفصل في القضايا الجوهرية التي هي محل الخلاف الأكبر مثل:
 شكل الدولة: هل نختار دولة موحدة مركزية، أم نختار دولة موحدة تتبنى "لامركزية" موسعة؟
 نظام الحكم: هل نعتمد نظاماً رئاسياً مباشراً، أم برلمانياً، أم شبه رئاسي؟.

إن نتائج هذه الإستفتاءات التمهيدية لن تكون بديلاً عن الدستور، بل ستكون بمثابة (بوصلة شعبية ملزمة)، تساعد أي لجنة تأسيسية، بما فيها الهيئة الحالية، على تعديل مشروعها ليتوافق مع الإرادة الحقيقية للشعب، مما يرفع حظوظ قبوله بشكلٍ نهائي عندما يُطرح لاحقاً كوثيقة متكاملة.

خامساً: متطلبات الواقعية .. من الفكرة إلى التنفيذ
إن الدعوة للإستفتاء لا يجب أن تكون مجرد شعار، بل مشروع عمل متكامل يتطلب شروطاً لا غنى عنها:

  1. إطار قانوني واضح: يحدد الجهة المشرفة، آليات الإقتراع والفرز، وطرق الطعن.
    وإن تعذر إصداره عبر المسار التقليدي، فإن البحث عن صيغ قانونية إستثنائية ومؤقتة يصبح ضرورة وطنية لإنقاذ الدولة من شلل مؤسساتها.
  2. تأمين لوجستي وأمني: يتطلب ذلك تفاهمات وطنية لتحييد العملية عن أي صراع، وتوفير حماية أمنية
مشتركة للمراكز، والإعتماد على سجل ناخبين مُحدث وموثوق، مع ضمان حق التصويت للنازحين والليبيين في الخارج.

سادساً: ماذا بعد الإستفتاء؟ .. خارطة طريق ملزمة
الإستفتاء ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته، ولضمان عدم الوقوع في فراغ جديد، يجب أن يتبع نجاح الإستفتاء مباشرةً خطوات واضحة ومُعلنة مسبقاً:
 تفعيل النتائج فوراً عبر إعلان دستوري مُلزم.
 إعداد القوانين الإنتخابية المتوافقة مع الخيارات الشعبية خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً.
 تحديد موعد نهائي وملزم لإجراء الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ختاماً، إن الإستفتاء ليس عصا سحرية، لكنه اليوم المدخل الأكثر واقعية وحسماً لإعادة تأسيس الشرعية في ليبيا، إنه ليس موجهاً ضد جهة، بل ضد حالة الإنسداد نفسها، وهو ليس بديلاً عن السياسة، بل هو إعادة السياسة إلى أصلها (إرادة الناس).
لقد حان الوقت لنتجاوز منطق الوصاية، سواء كانت داخلية أو خارجية، اللحظة التي تقول فيها الأغلبية الليبية كلمتها بوضوح، ستسقط تلقائياً معظم الذرائع التي تستخدم لتعطيل الحلول.
الخيار اليوم بين أمرين: إما أن نستمر في الدوران داخل متاهة الشرعيات المتنازعة، أو نمتلك شجاعة العودة إلى صاحب الحق الأصيل.
فالدول لا تُبنى بالوصاية، بل بإرادة أبنائها.
فدعوا الشعب الليبي يقول كلمته الأخيرة.

حفظ الله ليبيا
ووفقنا لما فيه خير البلاد والعباد

بقلمعمر الحبيشيكل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.