+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهاربناء الدولة وإنقاذ الوطن
ترجمة آليةالمحتوى مترجم آلياً عبر Google، والنص العربي هو المرجع الرسمي.العربية ←

قراءة نقدية سياسية وقانونية: لاتفاق «4+4» في ميزان الشرعية الدستورية وبناء الدولة

المكتب السياسي بالحزب 52 د قراءة4 مشاهدة
قراءة نقدية سياسية وقانونية: لاتفاق «4+4» في ميزان الشرعية الدستورية وبناء الدولة

لاتفاق الأطراف المشاركة في «الاجتماع المصغر» بشأن تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة، الموقّع في طرابلس بتاريخ 30 أغسطس 2026

إعداد المكتب السياسي – حزب السلام والازدهار

05/09/2026

مقدمة

تمثل هذه الورقة قراءة نقدية قانونية وسياسية لاتفاق «4+4»، تنطلق من أهمية الحوار الوطني وضرورة كسر الانسداد الذي حال دون إجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، وتضع في الوقت نفسه حدوداً واضحة بين قيمة التوافق السياسي وبين القوة الدستورية والقانونية التي يمكن أن تترتب عليه. ومن هذه الزاوية تطرح الورقة السؤال الجوهري: ما حدود السلطة التي يملكها اجتماع سياسي مصغر؟ وهل يجوز لتفاهم بين عدد محدود من الفاعلين أن يتحول، بمجرد التوقيع، إلى أداة تعدل أحكاماً دستورية وتشريعات نافذة، وتختار القانون الذي تجرى على أساسه الانتخابات، وتحدد شروط الترشح، وتمنح برلماناً مستقبلياً سلطة اعتماد الدستور، وتقرر أن أحكامها تحل محل كل حكم دستوري أو قانوني مخالف؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية القانونية وحدها. فهي تمس أصل فكرة الدولة الدستورية: من يملك السلطة؟ ومن يملك تعديل القواعد التي تنظم انتقالها؟ وما الفرق بين التوافق السياسي وبين التشريع، وبين التيسير الدولي وبين إنشاء سلطة تأسيسية جديدة؟ لذلك تتعامل الورقة مع الاتفاق باعتباره نصاً سياسياً ذا آثار دستورية محتملة، وتفحصه على ثلاثة مستويات متكاملة: المرجعية الليبية، والمبادئ الدستورية العامة المستقرة في النظم الديمقراطية، وولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كما رسمها مجلس الأمن منذ إنشاء البعثة سنة 2011 وحتى ولايتها الحالية.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها لأن الاتفاق لا يقتصر على معالجة تفاصيل تنفيذية. فبعض مواده يتصل ببنية النظام الانتخابي، وموقع الأحزاب السياسية، والعلاقة المدنية العسكرية، ومسار الدستور الدائم، وتسلسل القواعد القانونية، ومدى استمرار القوى القائمة في إدارة المرحلة الانتقالية. وهذه مسائل قد يمتد أثرها إلى ما بعد دورة انتخابية واحدة، بل قد ترسم شكل الحياة السياسية لعقود. ومن ثم لا يكفي أن يُسأل عن توافق الأطراف عليها؛ بل يجب أن يُسأل أيضاً عن مصدر تفويضها، وعن موقع الشعب الليبي منها، وخاصة عندما تنتقل التسوية من حل إجرائي مؤقت إلى تقرير «مفاصل تأسيسية» للمرحلة التالية.

وتتعمد الورقة استخدام لغة قانونية وسياسية هادئة وحازمة في الوقت نفسه. فالقضية ليست منافسة بين «قانون 10» و«قانون 27» بقدر ما هي سؤال عن مشروعية طريقة الاختيار بينهما، وعن طبيعة النظام السياسي الذي يترتب على هذا الاختيار. وليست القضية كذلك رفضاً لدور الأمم المتحدة، بل تمسكاً بأن يكون هذا الدور منسجماً مع الولاية التي أنشأها مجلس الأمن: تيسير عملية ليبية القيادة والملكية، ودعم الانتقال الديمقراطي وسيادة القانون والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، لا إحلال التيسير محل الاختصاص الدستوري الوطني.

ومن الناحية المنهجية، تميز الورقة بين ثلاثة مستويات لا ينبغي خلطها: المشروعية القانونية، والشرعية السياسية والديمقراطية، والقابلية العملية للتنفيذ. فقد يكون التفاهم قابلاً للتنفيذ بسبب قوة أطرافه، لكنه غير مستوفٍ لمصدر الاختصاص؛ وقد يكون قانونياً من حيث الشكل لكنه يفتقر إلى قبول وطني كافٍ. كما لا تفترض الورقة أن الاستفتاء مطلوب لكل قرار تنفيذي أو تفصيل فني، لكنها تعتبر الرجوع إلى الشعب ذا أهمية خاصة عندما يمس القرار مصدر السلطة أو قواعد انتقالها أو بنية المؤسسات أو مدة المرحلة الانتقالية أو مرتبة القواعد الدستورية.

أولاً: الاجتماع المصغر بين القيمة السياسية وحدود السلطة القانونية

  1. وصف «أطراف ليبية رئيسية» لا يصنع هيئة تأسيسية

تصف ديباجة الاتفاق المشاركين بأنهم «أطراف ليبية رئيسية»، وهي عبارة ذات دلالة سياسية، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود التمثيل. فقولنا إن المجتمعين «أطراف رئيسية» يعني، منطقياً ولغوياً، أنهم ليسوا جميع الأطراف الليبية، ولا حتى بالضرورة جميع الأطراف الرئيسية. والاجتماع وُصف أصلاً بأنه «مصغر»، أي إن ضيق التمثيل جزء من فلسفته. وهذا قد يكون مفيداً للتفاوض السريع وحل بعض العقد، لكنه لا يحوله إلى مؤتمر تأسيسي، ولا يمنحه تلقائياً ولاية تقرير مسائل تتصل بالسلطة التأسيسية أو البنية الدائمة للنظام السياسي.

في الفقه الدستوري المقارن، يختلف «النفوذ السياسي» عن «الاختصاص القانوني». قد تملك جهة ما القدرة على جمع الأطراف أو التأثير في الواقع، لكنها لا تملك لهذا السبب وحده سلطة تعديل الدستور أو إلغاء قانون نافذ. الاختصاص لا ينشأ من القوة أو من أهمية الفاعل، بل من قاعدة قانونية أعلى تحدد الجهة والإجراء والنصاب والحدود. ومن ثم فإن وجود ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة وأعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يمنح الاجتماع وزناً تفاوضياً، لكنه لا يجيب عن السؤال الحاسم: أين النص الدستوري أو القانوني الذي فوّض هؤلاء الثمانية تحديداً بممارسة سلطة تأسيسية أو تشريعية؟

  •  إشكالية التمثيل المؤسسي داخل الاجتماع

تزداد المسألة وضوحاً عند النظر إلى صفة أعضاء مجلسي النواب والدولة المشاركين. فالعضوية الشخصية في مؤسسة تشريعية أو استشارية لا تساوي تمثيل المؤسسة نفسها ما لم يصدر تكليف أو تفويض وفق قواعدها. وقد أعلن المجلس الأعلى للدولة رسمياً في 26 أغسطس 2026 أنه «لم يكن ممثلاً» في اجتماعات مجموعة «4+4»، وأن الملفات التي تناولتها المجموعة، ولا سيما الإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل المفوضية، من الاختصاصات الأصيلة للمؤسسات الليبية المختصة. وبذلك يصبح وصف بعض المشاركين بأنهم أعضاء في المجلس حقيقة شخصية، لا سنداً كافياً لنسبة التفاهم إلى المجلس كمؤسسة.

هذا التمييز مهم لأنه يمنع الخلط بين «مشاركة عضو» و«موافقة مؤسسة». فالمؤسسات الدستورية تعبر عن إرادتها عبر إجراءات محددة: جلسة، نصاب، تصويت، قرار، أو تفويض رسمي. وإذا أمكن لأي عضو أن يحمل معه اختصاص المؤسسة إلى أي طاولة تفاوض، انهار معنى العمل المؤسسي نفسه، وأصبح الاختصاص قابلاً للانتقال بالأشخاص لا بالقواعد.

  •  خلل التمثيل البنيوي: حصر التسوية في أصحاب القوة وإقصاء المجال السياسي المدني

لا تكمن مشكلة التمثيل في أن الاجتماع كان «مصغراً» فقط، بل في معيار تكوينه. فقد غلب على الطاولة تمثيل القوى والمؤسسات التي تملك أدوات القرار أو التعطيل أو النفوذ المباشر في الصراع، بينما غابت الأحزاب السياسية بوصفها مؤسسات دستورية للحياة السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة، واتجاهات مدنية وسياسية لا تملك أدوات قوة تنفيذية أو عسكرية. وهذا الخلل لا ينفي الحاجة إلى إشراك الأطراف القادرة على تنفيذ أي اتفاق، لكنه يعني أن القدرة على التعطيل أصبحت عملياً معيار الدخول إلى غرفة صناعة القواعد، في حين بقيت قوى المجتمع السياسي التي يفترض أن تعمل داخل النظام الديمقراطي المقبل خارجها.

تصميم العملية السياسية ليس أمراً محايداً؛ فهو يؤثر في نوع الأسئلة التي تُطرح وفي نوع الحلول التي تصبح ممكنة. عندما تتركز المفاوضات بين القوى القائمة، تميل المخرجات بطبيعتها إلى معالجة توازناتها ومخاوفها وضمان استمرار قدرتها على التأثير. وهذا يساعد على تفسير بعض السمات التي ظهرت في الاتفاق: إضعاف المشاركة الحزبية المؤسسية، توسيع الأفق الزمني إلى أربعة وعشرين شهراً، استمرار أعضاء «4+4» في المتابعة، وإعادة الأطراف نفسها إلى تحديد البديل عند التعثر. لا يلزم افتراض سوء نية للوصول إلى هذه النتيجة؛ فالخلل قد يكون في هندسة العملية قبل أن يكون في نوايا المشاركين.

ومن ثم فإن تصحيح المسار لا يقتصر على تعديل مادة أو مادتين. المطلوب أيضاً تصحيح قاعدة المشاركة نفسها، بحيث لا تبقى العملية السياسية تفاوضاً بين القوى التي صنعت الانقسام أو تديره، بل تنفتح بصورة منظمة على الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة، مع بقاء الأطراف المؤثرة جزءاً من التسوية لا مالكة لها. فالاتفاق الذي يراد له أن يؤسس حياة سياسية جديدة يحتاج إلى تمثيل الحياة السياسية التي يريد إنشاءها، لا إلى تمثيل موازين القوة القائمة وحدها.

  •  التوافق السياسي لا يساوي التشريع

يمكن لاتفاق سياسي أن يكون مدخلاً ضرورياً لإنتاج قاعدة قانونية، لكن المرور من السياسة إلى القانون يحتاج أداة تحول محددة. هذه الأداة قد تكون تعديلاً دستورياً، أو قانوناً يصدر عن السلطة المختصة، أو استفتاءً، أو مساراً تأسيسياً متفقاً عليه. أما الاتفاق السياسي بذاته فلا يعلو على الدستور ولا يلغي قانوناً نافذاً. وهذه ليست خصوصية ليبية؛ بل من أبسط نتائج مبدأ سيادة القانون وتدرج القواعد في الدولة الدستورية.

لذلك ينبغي التمييز بين عبارتين: «اتفقت الأطراف على اقتراح اعتماد القانون رقم…» و«اتفقت الأطراف على اعتماد القانون رقم…». الأولى تعبر عن توافق سياسي ينتظر التحويل إلى قاعدة نافذة. الثانية توحي بأن الأطراف نفسها تملك سلطة الاعتماد. ويتكرر هذا الإشكال في الاتفاق عند إعادة تشكيل المفوضية، واعتماد قانون الانتخابات الرئاسية، واعتماد قانون الانتخابات التشريعية، وإجراء تعديلات على الأطر الدستورية والقانونية.

  • النفوذ السياسي لا ينشئ اختصاصاً دستورياً

في كلمتها خلال مراسم التوقيع، وصفت الممثلة الخاصة للأمين العام الاجتماع المصغر بأنه جمع فاعلين تنفيذيين وتشريعيين رئيسيين يملكون «السلطة والنفوذ السياسي» اللازمين لدفع خطوات العملية السياسية. هذا الوصف يفسر منطق اختيار المشاركين من زاوية الوساطة؛ لكنه لا يحسم طبيعة «السلطة» بالمعنى الدستوري. فالقدرة على اتخاذ قرار سياسي أو التأثير في المؤسسات ليست هي الاختصاص القانوني في تعديل قاعدة دستورية أو إلغاء قانون.

وهذا التمييز هو لب المسألة. فقد يكون إشراك أصحاب النفوذ ضرورياً لإنجاح التفاوض، لكن نفوذهم لا يتحول بمجرد جلوسهم إلى «سلطة تأسيسية». التفاوض يمكن أن ينتج حلاً مقترحاً، أما إكسابه أثراً دستورياً ملزماً فيتطلب قناة شرعية مستقلة: نصاً دستورياً نافذاً، أو إجراء تعديل مختصاً، أو تفويضاً تأسيسياً واضحاً، أو رجوعاً مباشراً إلى الشعب في المسائل التي تعيد تعريف قواعد المرحلة.

  •  اتفاق «4+4» في مواجهة التراكم الدستوري والسياسي والتشريعي منذ 2014

لا يمكن تقييم اتفاق «4+4» وكأنه نشأ أمام صفحة قانونية وسياسية بيضاء. فالمرحلة الليبية منذ 2014 راكمت سلسلة مترابطة من القوانين والاتفاقات والتعديلات الدستورية والآليات السياسية التي أعادت، في كل محطة، تحديد شكل المؤسسات واختصاصاتها ومسار التشريع والانتخابات. وهذا التراكم لا يمنع المراجعة أو التطوير، لكنه يعني أن أي مسار لاحق لا يبدأ من الصفر، ولا يملك أن ينتقي من البناء القائم ما يشاء ثم يتجاوز ما عداه من دون سند دستوري وسياسي واضح.

صدر القانون رقم 10 لسنة 2014 قبل الاتفاق السياسي الليبي. ثم جاء الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في 17 ديسمبر 2015 ليعيد تنظيم البنية المؤسسية للمرحلة، وينشئ المجلس الأعلى للدولة، وينظم العلاقة بينه وبين مجلس النواب، ويحدد مجالات للتشاور والتوافق في قضايا تشريعية وسيادية. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإطار السياسي والدستوري الليبي هو الإطار نفسه الذي صدر فيه قانون 10 لسنة 2014.

ثم جاءت تعديلات الإعلان الدستوري، ومسار ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وجنيف 2020–2021، وخارطة المرحلة التمهيدية التي بنت بدورها على الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري وتعديلاته، وأنشأت سلطة تنفيذية موحدة مؤقتة وحددت هدف الوصول إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية. وبعد ذلك أنشأ التعديل الدستوري الثالث عشر لجنة «6+6»، وانتهت هذه الآلية إلى القانونين 27 و28 لسنة 2023، بما مثّل مرحلة جديدة في بناء الإطار الانتخابي.

وفي 2025 لم تتعامل بعثة الأمم المتحدة مع الوضع باعتباره قابلاً للعودة ببساطة إلى نقطة 2014، بل أنشأت اللجنة الاستشارية لمعالجة المسائل الخلافية التي تعيق الانتخابات، وقدمت اللجنة أربعة خيارات للمسار السياسي. ثم أُطلق الحوار المُهيكل في ديسمبر 2025 عبر أربعة مسارات: الحوكمة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. واختتم الحوار أعماله في 7 يونيو 2026 بتقرير نهائي تضمن أكثر من 525 توصية تهدف إلى تهيئة الظروف للانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيزها، ومعالجة الأسباب الجذرية طويلة الأمد للنزاع.

وفي موازاة هذا التراكم الداخلي، صاحبت المراحل المختلفة قرارات وبيانات متعاقبة لمجلس الأمن تعاملت مع العملية الليبية باعتبارها مساراً تراكمياً: من بناء النظام الديمقراطي والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، إلى الاتفاق السياسي الليبي، ثم خارطة ملتقى الحوار السياسي، ثم القوانين الانتخابية المحدثة المتفق عليها من لجنة «6+6». ومن ثم فإن العودة إلى إطار سابق لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن كل ما نشأ بعده.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأن اتفاق «4+4» لم يتعامل مع القانونين 27 و28 بالطريقة نفسها. فقد أبقى القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً للانتخابات الرئاسية مع اقتراح تعديلات عليه، بينما استبعد القانون رقم 27 لسنة 2023 من الانتخابات التشريعية وعاد إلى القانون رقم 10 لسنة 2014. وهذه ليست مجرد مراجعة فنية لقانونين، بل انتقاء داخل مخرجات آلية دستورية واحدة: الإبقاء على أحد القانونين وتعديل بعض أحكامه، والتخلي عن الآخر والعودة في شأن السلطة التشريعية إلى إطار أقدم سبق الاتفاق السياسي وتعديلات الإعلان الدستوري وخارطة جنيف وآلية «6+6».

إن احترام التراكم الدستوري والسياسي لا يعني تحصين كل اتفاق أو قانون سابق من المراجعة. معناه أن الدولة لا تُبنى بإعادة تشغيل الزمن من نقطة يختارها المتفاوضون. وكلما كان التراجع عن المسار المتراكم أعمق أثراً في شكل السلطة والحياة السياسية، احتاج إلى سند أقوى وإجراء أكثر شرعية واتساعاً في التمثيل.

ثانياً: المبادئ الدستورية العامة الحاكمة لأي قراءة للاتفاق

  1.  سيادة الشعب والسلطة التأسيسية الأصلية

القاعدة الأولى هي أن الشعب مصدر السلطة العامة. ويقرر الإعلان الدستوري الليبي في مادته الأولى أن «الشعب هو مصدر السلطات»، كما يضع الإعلان الدستوري نفسه، في ديباجته، المرحلة الانتقالية في أفق دستور دائم يُصدق عليه باستفتاء شعبي عام. وعلى المستوى الدولي، تجعل المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المشاركة في إدارة الشؤون العامة من صميم الحقوق السياسية، وتوضح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن المواطنين يشاركون مباشرة عندما يختارون أو يغيرون دستورهم أو يقررون مسائل عامة عن طريق الاستفتاء أو غيره من العمليات الانتخابية.

وفي الفقه الدستوري، تميز النظرية بين «السلطة التأسيسية الأصلية» التي يرجع مصدرها إلى الشعب وتضع الإطار الأعلى للدولة، وبين «السلطات المنشأة» التي تستمد اختصاصها من ذلك الإطار. لذلك لا تملك سلطة منشأة، ولا اجتماعاً تفاوضياً لم يُمنح تفويضاً تأسيسياً، أن يوسع اختصاصه بنفسه إلى حد إعادة ترتيب مصادر الشرعية. وهذه القاعدة لا تجعل الاستفتاء الطريق الوحيد في كل النظم؛ فبعض الدساتير تمنح جمعيات تأسيسية أو برلمانات منتخبة تفويضاً خاصاً. لكن عندما يغيب هذا التفويض الواضح، تكون المصادقة الشعبية المباشرة أقوى طريق لسد فجوة التمثيل والاختصاص.

  •  الاستفتاء الشعبي: ليس خاتمة للدستور فقط بل أداة لشرعنة المفاصل التأسيسية

من الخطأ حصر وظيفة الاستفتاء في اللحظة النهائية لاعتماد الدستور الدائم. فالاستفتاء، في الممارسة الدستورية المقارنة، يُستخدم أيضاً لحسم خيارات تأسيسية تسبق النص الدستوري النهائي أو تتعلق بمسار التسوية نفسه. جوهر المسألة هو طبيعة القرار لا اسمه: فإذا كان القرار يعيد توزيع السلطة، أو يستبدل قاعدة دستورية قائمة، أو يحدد شكل المؤسسات السيادية المقبلة، أو ينشئ جسماً خارج البنية الدستورية، أو يمدد المرحلة الانتقالية على نحو جوهري، فإنه يقترب من مجال السلطة التأسيسية ويحتاج إلى مصدر شرعية يتناسب مع أثره.

ولا يقرر القانون الدولي قاعدة عامة تلزم الدول بإجراء استفتاء على كل اتفاق سياسي. لكن الفقه الدولي لحق المشاركة يعترف بالاستفتاء شكلاً أصيلاً من أشكال المشاركة المباشرة في تقرير المسائل العامة. وفي السياق الليبي، حيث تتنازع المؤسسات القائمة على الشرعية والاختصاص، وحيث لم يُنتخب أعضاء الاجتماع المصغر بتفويض تأسيسي خاص، يصبح الرجوع إلى الشعب في المفاصل الكبرى وسيلة لإعادة أصل الاختصاص إلى صاحبه، لا مجرد إضافة سياسية تجميلية.

ويمكن صياغة «اختبار المفصل التأسيسي» على النحو الآتي: كل قرار يغير مصدر السلطة أو توزيعها؛ أو يحل قاعدة سياسية محل حكم دستوري أو قانوني نافذ؛ أو يحدد بصورة جوهرية نظام انتخاب المؤسسات السيادية المقبلة؛ أو ينشئ هيئة انتقالية جديدة أو يمدد المرحلة الانتقالية؛ أو يعيد ترتيب العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية أو مسار الدستور الدائم، ينبغي ألا يُحسم بتوافق محدود وحده. في مثل هذه الحالات يلزم إما سند دستوري صريح وإجراء مؤسسي موصوف، أو تفويض تأسيسي خاص، أو مصادقة شعبية مباشرة وفق قانون وإجراءات واضحة.

وتقدم التجارب المقارنة أمثلة مفيدة من دون ادعاء تطابق السياقات. فقد عُرض اتفاق بلفاست/الجمعة العظيمة سنة 1998، وهو تسوية سياسية وأمنية ومؤسسية شاملة لا مجرد «دستور نهائي»، على الناخبين وحظي بالمصادقة الشعبية. وفي تشيلي بدأ المسار التأسيسي سنة 2020 باستفتاء على سؤالين سابقين لصياغة الدستور: هل يوضع دستور جديد، وما نوع الهيئة التي تصوغه؟ وفي كينيا اقترنت التحولات الدستورية الجوهرية بالتصديق الشعبي، ويُلزم الدستور الحالي بالاستفتاء على تعديلات تمس السيادة وبنية مؤسسات الحكم الأساسية. الدلالة المشتركة هي أن الشعب يمكن أن يُستدعى إلى نقطة تأسيس المسار، لا إلى نهايته فقط.

لكن الاستفتاء لا يكتسب قيمته لمجرد إجرائه. المعايير الديمقراطية المقارنة، ومن بينها مدونة لجنة البندقية للممارسات الجيدة بشأن الاستفتاءات، تشدد على وضوح السؤال وعدم تضليله أو توجيهه، ومعرفة الناخب مسبقاً بالأثر القانوني لصوته، وحرية تكوين الرأي، وشفافية القواعد. ومن ثم فإن أي استفتاء ليبي على تسوية أو مفصل تأسيسي ينبغي أن يسبقه نص قانوني يحدد موضوعه وأثره، وتديره المفوضية المختصة، وتكون المنازعات بشأنه قابلة للرقابة القضائية.

  •  سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية

في الدولة الدستورية لا تتساوى القواعد. الدستور أو الوثيقة الدستورية في القمة، ثم القوانين، ثم اللوائح والقرارات، أما التفاهم السياسي فيكتسب مرتبته القانونية من الأداة التي تعتمد أحكامه. لذلك لا يمكن لاتفاق سياسي أن يقرر من داخله أنه يسمو على القواعد الدستورية والقانونية المخالفة. فالقاعدة الأدنى لا تمنح نفسها مرتبة أعلى بمجرد النص على ذلك؛ وإلا أصبح كل اتفاق قادراً على تعطيل النظام الدستوري بمجرد إعلان أولوية أحكامه.

  • مبدأ الاختصاص: لا سلطة بلا سند

المبدأ الثالث هو أن كل سلطة عامة مقيدة بالاختصاص الذي أنشأها. قاعدة «الاختصاص من النظام العام» تعني أن الإرادة السياسية لا تكفي لإنشاء اختصاص جديد، وأن الرضا بين أطراف غير مختصة لا يصحح عيب الاختصاص إذا كان موضوع التصرف محجوزاً لجهة أخرى. فكما لا تستطيع الحكومة أن تتفق مع جهة سياسية على إصدار حكم قضائي، لا تستطيع مجموعة غير مخولة دستورياً أن تتفق فيما بينها على تعديل دستور أو إلغاء قانون نافذ ثم تعتبر اتفاقها ملزماً للجميع.

  •  الشرعية الإجرائية ليست شكلاً زائداً

حين تفرض الدساتير نسباً موصوفة لتعديلها، أو تشترط استفتاءً، أو توزع الاختصاص بين مؤسسات متعددة، فهذه الإجراءات ليست تعقيداً شكلياً يمكن تجاوزه عند الاستعجال. وظيفتها حماية المجتمع من استحواذ أغلبية عابرة أو تحالف محدود على قواعد اللعبة السياسية. وكلما كان القرار أعمق أثراً وأطول زمناً، ازدادت الحاجة إلى شرعية إجرائية أقوى لا أضعف.

  •  اليقين القانوني واستقرار القواعد الانتخابية

القواعد الانتخابية تحتاج إلى درجة عالية من الوضوح والتوقع والاستقرار. شروط الأهلية، مواعيد التنازل عن أوصاف قانونية، طرق الطعن، وآثار عدم الوفاء بالشروط يجب أن تكون محددة قبل بدء المنافسة. ترك مصير الرئاسة معلقاً بعد الفوز على إجراء غير محدد المدة، أو فتح احتمال إعادة الانتخابات بعد إعلان فائز، يخلق مخاطرة قانونية وسياسية كان يمكن حسمها قبل قبول الترشح.

  •  حياد المؤسسة العسكرية والحكم المدني

الديمقراطية لا تحرم العسكري بصفته مواطناً من الحقوق السياسية، لكنها تميز بين حق المواطنة وبين استمرار الصفة العسكرية في المنافسة على السلطة. والقاعدة المقارنة الواسعة هي إخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية وإبعاد التسلسل العسكري عن التنافس الانتخابي. ويعزز التشريع الليبي نفسه هذا المنطق حين يحظر قانون الأحزاب رقم 29 لسنة 2012 على منتسبي الهيئات العسكرية الانتماء إلى الأحزاب السياسية. صحيح أن الحظر على العضوية الحزبية لا يساوي قانوناً حظراً على الترشح، لكنه يكشف فلسفة تشريعية تقوم على الفصل بين المؤسسة العسكرية والتنظيم السياسي. ومن ثم يكون اتساق الحياد أقوى عندما تفصل القواعد بوضوح بين الخدمة الفعلية والترشح للمناصب السياسية العليا.

ثالثاً: المرجعية الدستورية والتشريعية الليبية

  1.  الإعلان الدستوري: الديمقراطية والتعددية الحزبية ليستا تفصيلاً

يضع الإعلان الدستوري أساسين متلازمين. المادة (1) تقرر أن ليبيا دولة ديمقراطية وأن «الشعب مصدر السلطات»، والمادة (4) تلزم الدولة بإقامة نظام سياسي ديمقراطي يقوم على التعددية السياسية والحزبية بهدف التداول السلمي الديمقراطي للسلطة. لذلك لا يجوز قراءة قواعد الانتخابات بمعزل عن هذين الأصلين: مصدر السلطة شعبي، وطريقة تنظيم المنافسة يفترض أن تخدم بناء حياة سياسية تعددية ومؤسسية.

كما أن المساواة في الحقوق السياسية لا تعني فقط فتح باب الترشح الفردي. الديمقراطية المؤسسية تحتاج أيضاً إلى تنظيم المنافسة، وتجميع المصالح، وتكوين كتل مسؤولة أمام الناخبين. ولذلك جاء القانون رقم 29 لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب ليعرف الحزب باعتباره تنظيماً يهدف إلى المساهمة في الحياة السياسية والمشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة، ونص على أن الأحزاب تسهم في تمثيل المواطنين سياسياً.

  •  التعديل الدستوري الثالث عشر ومسار «6+6»

التعديل الدستوري الثالث عشر أنشأ آلية محددة لإعداد قوانين الاستفتاء والانتخابات: لجنة مشتركة من مجلسي النواب والدولة بواقع ستة أعضاء عن كل مجلس، مع قواعد للتوافق، وجعل قراراتها في نقاط الخلاف نهائية وملزمة، ثم تحال القوانين إلى مجلس النواب لإصدارها كما تم التوافق عليها دون تعديل. وقد نتج عن هذه الآلية القانونان رقما 27 و28 لسنة 2023.

هذا لا يعني أن القانونين 27 و28 غير قابلين للمراجعة إلى الأبد. كل تشريع يمكن مراجعته عبر الطريق الدستوري الصحيح. لكن وجود سند دستوري خاص لإنتاجهما يجعل استبدالهما أو تعديلهما جوهرياً بواسطة لجنة أخرى لم ينص عليها الإعلان الدستوري مسألة تحتاج إلى سند مماثل، لا مجرد توافق سياسي. وإلا نكون أمام مفارقة: نص دستوري أنشأ لجنة «6+6» وحدد اختصاصها بدقة، ثم تأتي لجنة «4+4» المنشأة سياسياً فتتجاوز مخرجاتها من دون تعديل القاعدة الدستورية التي أنشأتها.

  •  القانون 27 لسنة 2023 والاختيار المؤسسي المقصود

القانون رقم 27 لسنة 2023 لم يكتف بتغيير أسماء الدوائر أو الإجراءات، بل تبنى فلسفة انتخابية مختلطة. فالمادة (13) منه تقرر انتخاب 297 عضواً لمجلس النواب، منهم 152 عبر قوائم حزبية مغلقة بنظام التمثيل النسبي، و145 على أساس الترشح الفردي. أي إن الأغلبية البسيطة من مقاعد مجلس النواب صممت لتأتي من منافسة حزبية مؤسسية. العودة إلى القانون رقم 10 لسنة 2014 ليست، لذلك، مجرد رجوع إلى «قانون أقدم»؛ إنها تغيير لاتجاه سياسي وتشريعي انتقل من برلمان يغلب عليه الأفراد إلى برلمان يمنح الأحزاب دوراً بنيوياً.

كما أن القانون 27 نص في مادته (95) على إلغاء القانون رقم 2 لسنة 2021 وما ترتب عليه من آثار، ونص في المادة (96) على إلغاء كل حكم يخالفه. وهذا تصحيح مهم: القانون لم ينص صراحة في المادة (95) على إلغاء القانون رقم 10 لسنة 2014 بالاسم. لكن العودة إلى قانون 2014 كأساس جديد، في المسائل التي تتعارض مع القانون 27، تحتاج إلى معالجة تشريعية واضحة تحدد أي القواعد نافذة وأيها ملغى أو معدل. فلا يكفي لاتفاق سياسي أن يحسم علاقة قوانين متعاقبة ثم يعتبر حسمه نافذاً بذاته.

  •  الاستفتاء في المرجعية والممارسة القانونية الليبية

فكرة الرجوع إلى الشعب ليست غريبة عن البناء الدستوري الليبي. ديباجة الإعلان الدستوري أعلنت منذ 2011 أن الإعلان أساس للحكم الانتقالي «إلى أن يتم التصديق على الدستور الدائم في استفتاء شعبي عام». ثم صدر القانون رقم 6 لسنة 2018 لتنظيم الاستفتاء على مشروع الدستور، وجعل الاستفتاء حراً وعاماً ومباشراً وسرياً وشفافاً، وأسند إدارته إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

ولا يعني ذلك أن القانون رقم 6 لسنة 2018 يصلح تلقائياً للاستفتاء على اتفاق «4+4»، لأن نطاقه محدد بمشروع الدستور الدائم. لكنه يثبت أمرين: أن النظام القانوني الليبي يعرف الاستفتاء كأداة شرعية مباشرة، وأن البنية المؤسسية اللازمة لإدارته موجودة من حيث الأصل. فإذا أريد عرض تسوية سياسية أو وثيقة تأسيسية أخرى على الشعب، يلزم وضع أساس قانوني خاص يحدد السؤال والنصاب والنتيجة والآثار وطرق الطعن.

رابعاً: ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وقرارات مجلس الأمن – خط متصل لدعم الانتقال الديمقراطي والانتخابات

  1.  القرار 2009 (2011): تأسيس البعثة على هدف بناء ليبيا ديمقراطية

منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لم يحصر مجلس الأمن مهمتها في الوساطة بين القوى المتنازعة أو إدارة الأزمات الآنية. فقد أكد القرار 2009 (2011)، الصادر في 16 سبتمبر 2011، أن جهود الأمم المتحدة تستهدف دعم عملية انتقال وإعادة بناء يقودها الليبيون «تهدف إلى إقامة ليبيا ديمقراطية ومستقلة وموحدة». وجعل من مهام البعثة دعم الحوار السياسي الشامل والمصالحة الوطنية، والانطلاق في عملية وضع الدستور والعملية الانتخابية، وتعزيز مؤسسات ناشئة خاضعة للمساءلة، وسيادة القانون.

هذه نقطة تأسيسية في فهم ولاية البعثة: الديمقراطية، والانتخابات، وبناء المؤسسات، والمشاركة السياسية، ليست عناصر ثانوية أضيفت لاحقاً إلى المهمة، بل كانت في صميم الغرض الذي أنشئت من أجله البعثة منذ 2011.

  •  القراران 2040 (2012) و2095 (2013): «إدارة الانتقال الديمقراطي» والانتخابات والدستور

جاء القرار 2040 (2012) ليجعل النص أكثر صراحة. فقد قرر أن تشمل ولاية البعثة مساعدة السلطات الليبية على «إدارة عملية الانتقال الديمقراطي»، بما في ذلك تقديم المشورة والمساعدة للعملية الانتخابية، وعملية إعداد وإقامة دستور جديد، وتعزيز القدرة المؤسسية والشفافية والمساءلة والمشاركة السياسية. كما أكد مركزية الانتخابات ذات المصداقية للانتقال السلمي، ودعا إلى انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية.

ثم أكد القرار 2095 (2013) الخط نفسه، فنص على أن الأمم المتحدة تدعم، وفق مبدأي الملكية والمسؤولية الوطنيتين، عملية انتقال وبناء مؤسسات يقودها الليبيون بهدف إقامة «ليبيا سلمية وديمقراطية ومستقلة وموحدة»، وأكد مركزية الانتخابات الموثوقة وصياغة دستور بصورة شاملة للانتقال الديمقراطي.

  •  القرار 2144 (2014): الانتقال إلى الديمقراطية «أولوية فورية»

في القرار 2144 (2014) استخدم مجلس الأمن صياغة أشد وضوحاً، فجعل من ولاية البعثة، «كأولوية فورية»، دعم وضمان الانتقال إلى الديمقراطية، من خلال الحوار الوطني الشامل والشفاف، ودعم العمليات الانتخابية، وعملية إعداد وصياغة واعتماد الدستور، وتعزيز المشاركة السياسية لمختلف مكونات المجتمع. كما حذر القرار من أن التدهور الأمني والانقسامات السياسية يهددان الانتقال إلى الديمقراطية الذي يلبي تطلعات الشعب الليبي.

وهذا يعني أن الخط المتصل في قرارات 2011 و2012 و2013 و2014 لم يكن مجرد الدعوة إلى «الاستقرار» بمعناه الأمني، بل ربط الاستقرار نفسه بعملية ديمقراطية ومؤسساتية وانتخابية.

  •  القرار 2259 (2015): إدماج الاتفاق السياسي الليبي في المسار المعتمد دولياً

مع توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات، انتقلت قرارات مجلس الأمن إلى مرحلة جديدة من التراكم. فالقرار 2259 (2015) رحب بالاتفاق السياسي وأكد أهمية استمراره على أساس الشمول، ودعم مؤسسات الدولة التي أنشأها، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما شدد على المشاركة الكاملة والمتساوية والفعالة للمرأة في الأنشطة المتعلقة بالانتقال الديمقراطي.

ومنذ ذلك التاريخ لم تعد البعثة تعمل أمام إطار مؤسسي يعود إلى 2014 فقط، وإنما أمام اتفاق سياسي أصبح مرجعية رئيسية للعملية التي تيسرها الأمم المتحدة، وهو ما أكدته القرارات اللاحقة مراراً.

  •  القراران 2542 (2020) و2570 (2021): من الاتفاق السياسي إلى خارطة جنيف والانتخابات العامة

أكد القرار 2542 (2020) أن ولاية البعثة تشمل، في إطار الملكية الوطنية، ممارسة الوساطة والمساعي الحميدة لدفع عملية سياسية شاملة، ودعم استمرار تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي، ودعم المراحل اللاحقة من الانتقال، بما في ذلك العملية الدستورية وتنظيم الانتخابات.

ثم جاء القرار 2570 (2021) بعد ملتقى الحوار السياسي الليبي ليؤكد الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وطنية، ودعا إلى الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وأكد أن الانتخابات الحرة والنزيهة وذات المصداقية تتيح للشعب الليبي انتخاب حكومة تمثيلية وموحدة. كما طالب المؤسسات الليبية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوضيح الأساس الدستوري وسن التشريعات الضرورية للانتخابات.

وبذلك أصبح خط مجلس الأمن واضحاً في جمعه بين أربعة عناصر: الملكية الليبية، والقاعدة الدستورية والقانونية، والانتخابات الحرة، وتجديد الشرعية عبر اختيار الشعب.

  •  القراران 2629 و2656 (2022): الشعب يختار من يحكمه

أكد القرار 2629 (2022) الالتزام القوي بعملية ليبية القيادة والملكية تيسرها الأمم المتحدة، لإيجاد طريق إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وطنية حرة ونزيهة وشاملة في أقرب وقت، وعلى أساس دستوري وقانوني.

أما القرار 2656 (2022) فقد ذهب إلى صياغة بالغة الدلالة حين «اعترف برغبة الشعب الليبي في أن تكون له كلمته في من يحكمه من خلال الانتخابات»، ودعا المؤسسات السياسية وأصحاب المصلحة إلى الاتفاق على خارطة توصل إلى هذه الانتخابات في أقرب وقت وعلى أساس دستوري وقانوني وبطريقة شفافة وشاملة. كما أكد المشاركة الكاملة والفعالة والهادفة للمرأة، وإدماج الشباب والمجتمع المدني في صنع القرار المتعلق بالانتقال الديمقراطي.

وهذه الصياغات مهمة في تقييم اتفاق «4+4»، لأن مجلس الأمن لم يفهم الانتقال باعتباره تفاوضاً دائماً بين القوى القائمة، بل ربط نهايته بإعادة القرار إلى المواطنين من خلال انتخابات ذات أساس قانوني ودستوري.

  •  منذ قوانين «6+6»: القرار 2702 (2023) يذكر القانونين 27 و28 صراحة

بعد صدور القانونين 27 و28 لسنة 2023، لم يكتف مجلس الأمن بالإشارة العامة إلى «قوانين انتخابية» غير محددة. فالقرار 2702 (2023)، الصادر في 30 أكتوبر 2023، أعاد تأكيد التزامه بعملية سياسية ليبية شاملة تيسرها الأمم المتحدة «تبني على القوانين الانتخابية المحدثة التي اتفقت عليها لجنة 6+6»، ثم أخذ علماً صراحةً بقانون انتخاب رئيس الدولة رقم 28 لسنة 2023 وقانون انتخاب مجلس الأمة رقم 27 لسنة 2023، اللذين أصدرهما مجلس النواب في 5 أكتوبر 2023.

وفي الوقت نفسه، لم يعتبر القرار هذين القانونين نهاية النقاش، بل أشار إلى أن تنفيذهما يتطلب التزام الأطراف وتسوية سياسية للقضايا الخلافية العالقة المرتبطة بالانتخابات. وهذه نقطة دقيقة: مجلس الأمن أقر بوجود مسائل تحتاج إلى تسوية، لكنه جعل نقطة البناء هي قوانين «6+6» المحدثة، لا العودة إلى إطار تشريعي سبقها.

  •  بيانات مجلس الأمن في 2024: تثبيت البناء على قوانين «6+6»

أكد مجلس الأمن هذا الاتجاه في بيانه الصحفي الصادر في 27 فبراير 2024، حين أعاد الالتزام بعملية سياسية ليبية القيادة والملكية تيسرها الأمم المتحدة «تبني على القوانين الانتخابية المحدثة التي اتفقت عليها لجنة 6+6»، وكرر دعمه لدور البعثة في عملية سياسية تبني على الاتفاق السياسي وخارطة ملتقى الحوار السياسي والقوانين المحدثة.

وفي 28 أغسطس 2024 عاد المجلس إلى تذكير القادة والمؤسسات الليبية بالتزاماتهم وفق القرار 2702، وبأن العملية السياسية تبني على الاتفاق السياسي وخارطة ملتقى الحوار السياسي والقوانين الانتخابية المحدثة التي اتفقت عليها لجنة «6+6». كما شدد البيان على المشاركة الكاملة والمتساوية والفعالة والآمنة للمرأة وإدماج الشباب والمجتمع المدني في جميع الأنشطة وصنع القرار المتعلق بالانتقال الديمقراطي.

وبذلك لم تكن الإشارة إلى قوانين «6+6» واقعة منفردة في قرار واحد؛ بل أصبحت خطاً تكرر في قرارات وبيانات مجلس الأمن بعد صدورها.

  •  القرار 2755 (2024): تأكيد جديد وصريح للقانونين 27 و28

كرر القرار 2755 (2024)، الصادر في 31 أكتوبر 2024، الصياغة نفسها تقريباً: عملية سياسية ليبية شاملة تيسرها الأمم المتحدة وتبني على القوانين الانتخابية المحدثة التي اتفقت عليها لجنة «6+6». ثم أخذ القرار علماً، بالاسم والرقم، بقانون انتخاب رئيس الدولة رقم 28 لسنة 2023 وقانون انتخاب مجلس الأمة رقم 27 لسنة 2023.

والقرار لم يكتف بذلك، بل أشار إلى أن تنفيذ القانونين يحتاج إلى التزام جميع الأطراف وتسوية سياسية للقضايا الخلافية المرتبطة بالانتخابات، ودعا إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات على أساس قوانين قابلة للتنفيذ وإنهاء المرحلة الانتقالية وتجديد شرعية المؤسسات الليبية.

وهذا يوضح مرة أخرى أن الإطار الأممي لم يكن قائماً على إلغاء مخرجات «6+6»، بل على معالجة القضايا الخلافية داخل مسار يبني عليها.

  1.  القرار 2796 (2025): النص الأكثر وضوحاً – ذكر القانونين 27 و28 بالاسم والرقم

يكتسب القرار 2796 (2025)، الصادر في 31 أكتوبر 2025 والمجدد لولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2026، أهمية خاصة لأنه القرار الذي يحكم ولاية البعثة في وقت تيسير اتفاق «4+4».

فالقرار يذكّر صراحة بقرارات مجلس الأمن السابقة، ومنها 2702 (2023) و2755 (2024)، ويعيد تأكيد «الالتزام القوي بعملية سياسية شاملة يقودها الليبيون ويتولون زمامها وتيسرها الأمم المتحدة» وتبني على القوانين الانتخابية المحدثة التي اتفقت عليها لجنة «6+6»، بما يمكّن من إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وطنية حرة ونزيهة وشفافة وشاملة.

والأهم أنه ينص صراحة في ديباجته على «أخذ العلم بقانون الانتخابات الرئاسية رقم 28/2023 وقانون الانتخابات البرلمانية رقم 27/2023»، الصادرين عن مجلس النواب في 5 أكتوبر 2023. ثم يكرر أن تنفيذ القانونين يحتاج إلى التزام جميع الأطراف وتسوية سياسية للقضايا الخلافية المتصلة بالانتخابات.

ومن ثم فإن القول إن قرار 2796 اكتفى بالإشارة المجردة إلى لجنة «6+6» غير دقيق. فالقرار ذكر القانونين 27 و28 نصاً ورقماً، وجعلهما، مع القوانين المحدثة المتفق عليها من اللجنة، جزءاً من الأساس الذي تبني عليه العملية السياسية التي تيسرها البعثة.

  1.  الدلالة القانونية والسياسية لهذا التسلسل على اتفاق «4+4»

لا يعني هذا التسلسل أن القانون رقم 27 لسنة 2023 أصبح نصاً فوق التشريع أو غير قابل للمراجعة. كما لا يعني أن مجلس الأمن حل محل السلطات الليبية في التشريع. لكنه يعني شيئاً مهماً للغاية عند تقييم دور البعثة: الولاية التي تعمل في إطارها لم تنشأ في فراغ، ولم تعطها تفويضاً لصناعة أي تسوية كيفما اتفق الفاعلون، بل ربطت عملها عبر خمسة عشر عاماً تقريباً بخط واضح من بناء النظام الديمقراطي والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، والانتخابات الحرة، والمشاركة السياسية، والملكية الليبية، وسيادة القانون.

وبعد 2023 أضيف إلى هذا الخط عنصر أكثر تحديداً: البناء على القوانين الانتخابية المحدثة المتفق عليها من «6+6»، مع أخذ العلم الصريح بالقانونين 27 و28. لذلك فإن تيسير اتفاق يُبقي القانون 28 ويعدل بعض أحكامه، ولكنه يستبعد القانون 27 ويعود في الانتخابات التشريعية إلى القانون 10 لسنة 2014، يفرض على البعثة وعلى الأطراف تفسيراً جدياً لهذا التحول ومدى اتساقه مع المرجعية التي جدد مجلس الأمن ولايتها على أساسها.

المسألة هنا ليست الادعاء بأن اتفاق «4+4» يخالف تلقائياً قراراً من قرارات مجلس الأمن بالمعنى الجزائي أو أن المجلس منع قانوناً تعديل القانون 27. المسألة أدق: هل يتسق تيسير العودة إلى إطار أقدم، بما يحمله من أثر على التعددية الحزبية وبنية البرلمان، مع خط قرارات المجلس الذي يبدأ منذ 2011 ببناء ليبيا ديمقراطية، ثم يتدرج عبر الاتفاق السياسي وخارطة جنيف، وينتهي في القرارات 2702 و2755 و2796 إلى البناء الصريح على قوانين «6+6»؟

  1. من دور التيسير إلى حدود الاختصاص

الوساطة والمساعي الحميدة جزء أصيل من ولاية البعثة. ولذلك لا تكمن المشكلة في عقد اجتماع مصغر أو في تقريب المواقف بين أصحاب النفوذ. الإشكال يبدأ عندما تتحول نتيجة التيسير من «تفاهم سياسي مقترح» إلى نص يعطي نفسه أثراً يتجاوز القواعد الدستورية والقانونية، ثم ينص على إنشاء آلية لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه إذا لم توافق المؤسسات المعنية.

البعثة، وفق قرارات مجلس الأمن نفسها، ميسّر لعملية ليبية القيادة والملكية، وداعم للانتقال الديمقراطي والانتخابات وسيادة القانون. ومن ثم فإن اتساق تيسيرها مع ولايتها يقتضي إبقاء الفارق واضحاً بين مساعدة الليبيين على إنتاج توافق، وبين منح التوافق نفسه سلطة تأسيسية لا يملكها أصحابه ابتداءً.

  1.  من سقف 18 شهراً إلى 24 شهراً

تضاف إلى ذلك مسألة المدة. فقد رحب مجلس الأمن في بيانه الصادر في 3 سبتمبر 2025 بخارطة الطريق التي تستهدف إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى انتخابات خلال إطار زمني إجمالي قدره 18 شهراً. أما اتفاق «4+4» فيتحدث عن مدة تصل إلى 24 شهراً، ثم لا يجعل انتهاء المدة سبباً تلقائياً للانتقال إلى بديل محدد مسبقاً، بل يعيد الأطراف ذاتها مع البعثة إلى البحث عن «الآلية المثلى» للوصول إلى الانتخابات.

الفرق هنا ليس ستة أشهر فقط. إنه الفرق بين سقف ينتهي إلى نتيجة معلومة، ومسار يمكن أن يعيد إنتاج التفاوض عند انتهاء السقف. وإذا كان الهدف المعلن هو إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن أي تمديد جديد أو إنشاء مسار بديل بعد انقضاء المدة ينبغي ألا يبقى حكراً على القوى التي أدارت المرحلة نفسها، بل يحتاج إلى سند وطني أوسع، ويزداد مبرر الرجوع إلى الشعب إذا كان البديل سيؤسس مرحلة انتقالية جديدة.

خامساً: قراءة في ديباجة الاتفاق ولغته القانونية

  1.  الأهداف المعلنة واختبار ترجمتها في النص

تعلن الديباجة عزم الأطراف على الوصول إلى ليبيا تنعم بالديمقراطية والاستقرار والسلام والأمان في ظل مؤسسات شرعية. هذه أهداف لا خلاف عليها. لكن التقييم القانوني والسياسي لا يقف عند النوايا المعلنة؛ بل يسأل إن كانت الأدوات المختارة تقود إليها. فإذا كان أحد أهم آثار الاتفاق هو إضعاف الحضور الحزبي المؤسسي، وإبقاء العسكري في موقع يسمح له بالترشح وهو مرتبط بالمؤسسة العسكرية، وإطالة الفترة، وإنشاء آلية دستورية غامضة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل النص يترجم غاية «الديمقراطية والاستقرار»، أم يفتح مسارات قد تقود إلى نتيجة معاكسة؟

  • عبارة «الإسهام في استكمال الخطوتين»

تستخدم الديباجة لغة من قبيل اتخاذ تدابير «من شأنها الإسهام في استكمال الخطوتين الأوليين». هذه الصياغة مهمة لأنها لا تقول إن الاتفاق يستكمل الخطوتين بذاته، بل يساهم في ذلك. منطقياً، يفترض هذا أن هناك حلقات اعتماد وتنفيذ لاحقة. لكن مواد الاتفاق تنتقل أحياناً إلى لغة «اتفقت الأطراف على اعتماد» و«تحل أحكام هذا الاتفاق محل…»، وكأن النص نفسه تجاوز مرحلة المساهمة إلى مرحلة الإلزام الأعلى. هذا التفاوت بين لغة الديباجة ولغة الأحكام يعكس غموضاً في الطبيعة القانونية للوثيقة.

  • اضطراب وصف الفاعلين: وفدان، أطراف، طرفان

تتغير المصطلحات داخل الاتفاق بين «الوفدين» و«الأطراف» و«الطرفين». وقد يبدو ذلك تحريرياً، لكنه يصبح ذا أثر عندما تسند مواد لاحقة حقوقاً والتزامات مستقبلية إلى «الطرفين» أو «الأطراف»، وخصوصاً في متابعة التنفيذ وحل الخلافات. الوثيقة التي يراد لها أن تكتسب صفة دستورية ينبغي أن تكون أكثر دقة في تعريف أصحاب الحقوق والالتزامات، لأن الغموض في الشخص القانوني يؤدي لاحقاً إلى غموض في من يملك التفسير ومن يملك الاعتراض.

سادساً: المادة الأولى – إعادة تشكيل المفوضية بين التوافق والتعيين

يبدأ الاتفاق بصيغة واسعة: «اتفقت الأطراف على إعادة تشكيل مجلس…»، ثم تنتقل بعض فقراته إلى «يوصى بتعيين». هذا الاختلاف يكشف أن واضعي النص يدركون، ولو ضمناً، أن الاجتماع لا يملك مباشرة سلطة إصدار قرار تعيين نهائي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الصياغة الأدق كانت أن تعتبر الأسماء والتشكيلة «توافقاً سياسياً مقترحاً» يحال إلى الجهة أو الجهات التي تملك الاختصاص القانوني لاستكماله.

كما أن الاتفاق السياسي الليبي نظم، في مادته (15)، آليات التشاور والتوافق بشأن شاغلي المناصب السيادية، ومن بينها المفوضية. وحتى إذا قيل إن الواقع السياسي استدعى صيغة بديلة، فإن البديل يحتاج إلى تحويل مؤسسي واضح. التوافق على أشخاص شيء، وإنشاء مراكزهم القانونية شيء آخر. الخلط بين الاثنين يعرّض التعيينات نفسها للطعن ويضعف المؤسسة التي يفترض أن تُبنى عليها انتخابات ذات مصداقية.

سابعاً: المادة الثانية – الانتخابات الرئاسية وحدود سلطة الاجتماع

  1. )اعتماد (القانون 28 وإجراء تعديلات عليه

ينص الاتفاق على اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً للانتخابات الرئاسية وإجراء تعديلات محددة في الإطار الدستوري والقانوني. هنا يتكرر سؤال الاختصاص. يجوز للمجتمعين سياسياً أن يتفقوا على أن القانون 28 هو أفضل نقطة بداية، وأن يقترحوا تعديلات بعينها. أما تحويل هذا الاتفاق إلى تعديل نافذ فيحتاج إلى الجهة والأداة اللتين يحددهما النظام الدستوري. لا يمكن اختصار مرحلة التشريع في توقيع ثمانية أشخاص ثم مطالبة المؤسسات بالمصادقة على النص كما هو.

  •  مزدوجو الجنسية: شرط مؤجل إلى ما بعد الفوز

السماح لمزدوج الجنسية بالترشح مع اشتراط التخلي عن الجنسية غير الليبية بعد الفوز وقبل أداء اليمين يخلق إشكالاً مركباً. فإذا كان التخلي شرطاً ضرورياً لشغل المنصب، فإن المنطق القانوني يقتضي حسم القدرة على الوفاء به قبل الوصول إلى مرحلة إعلان الفائز أو على الأقل وضع مهلة دقيقة وقابلة للتحقق. أما تعليق تولي رأس الدولة على إجراءات قد تخضع لقانون دولة أجنبية وتستغرق مدة غير محددة، فإنه يفتح فراغاً دستورياً محتملاً.

ويزداد الخلل حين يقترن ذلك بإمكان «إعادة العملية الانتخابية» إذا تعذر على الفائز الوفاء بالشرط. إعادة انتخابات رئاسية وطنية ليست أثراً بسيطاً. هي تكلفة مالية وسياسية وأمنية كبيرة، وتمس ملايين الناخبين. لذلك ينبغي أن تكون الأهلية محسومة قدر الإمكان قبل الاقتراع، لا أن تتحول بعده إلى اختبار قد يطيح النتيجة كلها. كما يجب تحديد ما المقصود بالتعذر، ومن يثبته، وما المهلة، ومن يتولى الرئاسة خلالها، وهل تعاد الانتخابات كاملة أم تجرى آلية خلافة محددة.

  •  العسكريون: التناقض بين «الحياد» والترشح أثناء الخدمة

الصياغة التي تؤكد حياد المؤسسة العسكرية ثم تسمح للعسكريين بالمشاركة كمرشحين وناخبين تخلط بين مستويين مختلفين. حق العسكري في التصويت يمكن فهمه باعتباره امتداداً للمواطنة إذا توفرت ضمانات الاقتراع الحر والسري وعدم استخدام التسلسل القيادي. أما الترشح للرئاسة فهو دخول في أرفع منافسة سياسية في الدولة، ويصعب التوفيق بينه وبين استمرار الصفة العسكرية الفعلية.

في القراءة المقارنة، يكون اتساق حياد المؤسسة العسكرية أقوى حين تفصل القواعد بين الخدمة الفعلية والترشح السياسي. فالعسكري يستطيع، بعد الاستقالة أو الإحالة إلى التقاعد وفق ضوابط سابقة على الترشح، أن يمارس حقه كمواطن من دون أن يحمل معه سلطة الأمر والانضباط وموارد المؤسسة ورمزيتها. ويكتسب هذا المعنى دعماً من قانون الأحزاب الليبي رقم 29 لسنة 2012 الذي يمنع منتسبي الهيئات العسكرية من الانتماء الحزبي؛ وهو وإن لم يحسم بذاته مسألة الترشح للرئاسة، فإنه يعكس اتجاهاً تشريعياً إلى الفصل بين التنظيم السياسي والخدمة العسكرية.

  •  مراجعة أحكام الطعون على أساس الاتفاق

عندما تنص الوثيقة على مراجعة الأحكام المنظمة للطعون بما يضمن اتساقها مع أحكام الاتفاق، فإنها تضع الاتفاق عملياً في موقع المرجع الذي تقاس عليه التشريعات الأخرى. هذا قلب لتدرج القواعد ما لم يكن الاتفاق قد اكتسب أولاً صفته الدستورية بالطريق المشروع. الترتيب الصحيح هو العكس: تفحص أحكام الاتفاق في ضوء الدستور والقانون، ثم تحول العناصر المقبولة إلى نصوص بالتدرج التشريعي السليم، وبعد ذلك تتسق معها قواعد الطعون.

ثامناً: المادة الثالثة – الانتخابات التشريعية ومستقبل الحياة السياسية

  1.  العودة إلى القانون 10 لسنة 2014 ليست تعديلاً فنياً

المادة 3.1 هي من أكثر مواد الاتفاق أثراً: اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 إطاراً وأساساً للانتخابات التشريعية. هذا الاختيار يتجاوز حل «عقدة انتخابية» إلى إعادة تشكيل المجال السياسي. فالقانون 27 لسنة 2023 تبنى نظاماً مختلطاً يجعل 152 مقعداً من أصل 297 للقوائم الحزبية، بينما العودة إلى إطار 2014 تعيد الثقل إلى الترشح الفردي. ولذلك فإن أثر القرار لن يظهر فقط يوم الاقتراع، بل في شكل البرلمان، وقدرته على تكوين أغلبية، ومسؤولية الحكومة، واستقرار التشريع، وإمكان التداول المنظم للسلطة.

  •  القول إن الأحزاب تشارك «بمرشحين أفراد» لا يحقق المشاركة الحزبية المؤسسية

النص الذي يمنح الأحزاب حق المشاركة «بمترشحين أفراد» لا يمنحها في الحقيقة حقاً جديداً. العضو الحزبي مواطن، وحقه في الترشح الفردي قائم وفق شروط القانون. الفارق الحقيقي هو هل يدخل الحزب الانتخابات ككيان سياسي ببرنامج وقائمة وهوية ومساءلة جماعية، أم يقتصر وجوده على إعلان أن بعض الأفراد ينتمون إليه؟ في الحالة الثانية لا يصوت الناخب لقائمة وبرنامج، ولا تنتج الانتخابات بالضرورة كتلاً حزبية متماسكة، ولا يكون انضباط النائب السياسي مرتبطاً بعقد انتخابي حزبي واضح.

  •  من الصراع السياسي إلى الصراع الاجتماعي

هذه النقطة تتجاوز مصلحة الأحزاب نفسها. في المجتمعات المنقسمة، إحدى وظائف الأحزاب الحديثة هي نقل التنافس من الروابط الأولية إلى البرامج العامة. الحزب، إذا كان وطنياً فعلاً، يضم أعضاء من مدن وقبائل ومناطق ومهن متعددة ويطلب منهم الاجتماع حول رؤية سياسية. أما حين تكون المنافسة فردية بالكامل في بيئة ضعيفة المؤسسات، فإن المرشح يبحث غالباً عن أقوى شبكة جاهزة للتعبئة: العائلة، والقبيلة، والمدينة، والجهة، وشبكات المال والنفوذ.

بهذا المعنى، ليست القوائم الحزبية مجرد مصلحة تنظيمية للأحزاب. يمكن أن تكون أداة لتقليل «اجتماعية» الصراع السياسي. فبدلاً من أن تتنافس المجموعات الاجتماعية مباشرة على المقاعد والموارد، تتنافس برامج وتنظيمات تمتد عبر هذه المجموعات. وكلما طال عمر برلمان الأفراد من دون أطر سياسية جامعة، زادت احتمالات أن تتبلور الخلافات السياسية في صور جهوية وقبلية وشخصية، وهو ما يضر ببناء الدولة الوطنية.

  •  التعددية الحزبية في الإعلان الدستوري تحتاج إلى ترجمة عملية

صحيح أن المادة (4) من الإعلان الدستوري لا تفرض نسبة محددة للقوائم الحزبية. لكن الجمع بين هذه المادة وقانون الأحزاب رقم 29 لسنة 2012 واتجاه القانون 27 لسنة 2023 يكشف مساراً تشريعياً واضحاً نحو إضفاء طابع مؤسسي على التنافس. الرجوع الكامل إلى منطق الفردية يحتاج، لذلك، إلى تبرير وطني واسع، لا إلى صيغة تقول إن الأحزاب تستطيع ترشيح أفرادها ثم تعتبر أن التعددية قد تحققت.

  • سلطة البرلمان المنتخب في «اعتماد» الدستور الدائم

منح البرلمان المنتخب سلطة معالجة مسائل الدستور الدائم «بما في ذلك اعتماده» عبارة شديدة الخطورة إذا لم تحدد المقصود. فإن كان المراد أن يدير البرلمان مساراً دستورياً ينتهي بعرض النص على الشعب، فينبغي أن يقال ذلك صراحة. أما إذا كان المقصود أن يستطيع البرلمان وحده اعتماد دستور دائم بصورة نهائية، فإن الاتفاق يكون قد حسم سلفاً سؤال السلطة التأسيسية ومنحها لبرلمان لم يُنتخب على أساس تفويض تأسيسي صريح، متجاوزاً الاتجاه الذي ربط الإعلان الدستوري منذ نشأته الدستور الدائم بالتصديق الشعبي.

والأهم أن الرجوع إلى الشعب لا ينبغي أن يُفهم هنا باعتباره «محطة نهائية للدستور» فقط. فإذا سبق الدستور اتفاقٌ يغير قواعد اختيار السلطة التشريعية، ويحدد من يعتمد الدستور، ويعيد ترتيب مرتبة التشريعات، ويمنح جسماً انتقالياً وظائف جديدة، فإن هذه الخيارات قد تكون في ذاتها مفاصل تأسيسية تستحق التفويض الشعبي قبل أن تتراكم فوقها مراحل أخرى. الشعب لا ينبغي أن يُطلب منه في النهاية التصديق على نتيجة تشكلت قواعدها الأساسية من دونه.

تاسعاً: المادة الرابعة – مدة 24 شهراً أم إعادة ضبط للمرحلة الانتقالية؟

  1. شرط «سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة»

ينص الاتفاق على إجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة. من حيث الهدف، توحيد السلطة والمؤسسات مطلوب. لكن تحويله إلى شرط سابق واسع للانتخابات قد يجعل الاستحقاق رهناً بالمسألة نفسها التي فشلت القوى الحالية في حلها طوال سنوات. فإذا كان توحيد المؤسسات كاملاً شرطاً للانتخابات، يصبح لكل طرف قادر على تعطيل التوحيد قدرة غير مباشرة على تعطيل الانتخابات.

البديل المفاهيمي هو التمييز بين «الحد الأدنى اللازم لسلامة الانتخابات» وبين «استكمال بناء الدولة». تحتاج الانتخابات إلى مفوضية قادرة، أمن انتخابي، قواعد قانونية، حياد إداري، وتمويل شفاف. لكنها لا تستطيع انتظار حل كل ملفات الانقسام العسكري والمؤسسي إذا كان حل هذه الملفات نفسه يتطلب سلطة منتخبة جديدة.

  • ماذا يحدث بعد 24 شهراً؟

النص لا يقرر جزاءً تلقائياً على الفشل. بل إذا تعذر إجراء الانتخابات تعمل الأطراف مع البعثة على إيجاد «الآلية المثلى» للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. بهذه الصياغة، لا تنتهي ولاية المتحكمين في المسار عند الإخفاق، بل يعودون إلى الطاولة ليقرروا الخطوة التالية. وهذا يخلق حافزاً هيكلياً غير سليم: الجهة التي قد تكون جزءاً من سبب التعثر تبقى صاحبة دور مركزي في تقرير ما بعد التعثر.

لذلك يمكن قراءة المادة باعتبارها لا تحدد فقط مدة للانتخابات، بل تمنح إطاراً سياسياً مستمراً للأطراف لمدة عامين على الأقل، مع إمكان استمرار دورهم بعدها. وإذا كان هدف خارطة الطريق إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن النص الذي لا يربط انتهاء السقف الزمني بانتقال تلقائي إلى بديل معلوم يظل معرضاً للتحول إلى آلية لإدارة الانتقال لا لإنهائه. وإذا أريد بعد انقضاء المدة إنشاء مرحلة انتقالية جديدة أو هيئة جديدة أو تعديل جوهري في المسار، فإن ذلك يشكل مفصلاً جديداً لا ينبغي أن يُقرر تلقائياً بواسطة الأطراف التي أدارت المرحلة السابقة من دون تفويض شعبي جديد.

  •  الفرق بين «سلطة واحدة» و«مؤسسات موحدة»

تستخدم المادة تعبير «سلطة تنفيذية واحدة» وتعبير «مؤسسات وطنية موحدة». الاختلاف في المصطلح يمكن تبريره لغوياً، لكن الوثيقة التي تتعامل مع شروط انتخابية يجب أن تعرف المقصود بالتوحيد: هل يشمل مصرف ليبيا المركزي؟ الأجهزة الرقابية؟ المؤسسات العسكرية والأمنية؟ القضاء؟ الإدارات التنفيذية؟ وما معيار القول إن المؤسسة «موحدة» بما يكفي لبدء الاقتراع؟ غياب التعريف يجعل الشرط قابلاً للاستخدام السياسي المتعارض.

  •  التناوب المكاني بين طرابلس وبنغازي وسبها

فكرة عقد جلسات دورية في المدن الثلاث قد تحمل رسالة وحدة وطنية، لكنها أيضاً تدخل في تفاصيل تنظيم مؤسسات مستقبلية قبل انتخابها. تحديد مقر البرلمان أو نظام انعقاده عادة شأن دستوري أو لائحي، وليس من الضروري أن يحسمه اجتماع مصغر ضمن معالجة «العقد الانتخابية». كلما اتسع نطاق الاتفاق إلى مسائل بعيدة عن الحاجات المباشرة للانتخابات، ازدادت الحاجة إلى سؤال الاختصاص والتفويض.

عاشراً: المادة الخامسة – من «المصادقة» إلى إنشاء وثيقة دستورية بآلية غير معروفة

  1.  مهلة شهر للموافقة «بصيغته الموقعة»

تمنح المادة مجلسي النواب والدولة مهلة شهر للموافقة على الاتفاق بصيغته الموقعة. هذه الصياغة تجعل دور المؤسستين أقرب إلى المصادقة الثنائية: قبول أو رفض، لا مناقشة ولا تعديل. وقد يكون ذلك مفهوماً في معاهدة دولية تفاوضت عليها جهة مخولة ثم أحالتها للتصديق، لكنه أقل إقناعاً في حالة اتفاق سياسي لم يصدر أصلاً عن تفويض من المجلسين ثم يطلب منهما إقرار تعديلات تمس اختصاصاتهما.

  • آلية وطنية واسعة التمثيل تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية

هذه العبارة هي من أكثر عبارات الاتفاق غموضاً وخطورة. ما هي الآلية؟ من ينشئها؟ من يختار أعضاءها؟ ما نسبة التمثيل التي تجعلها «واسعة»؟ ما نصاب القرار؟ هل تصوت بالأغلبية أم التوافق؟ من يقرر أنها «تكفي» لإضفاء الصفة الدستورية؟ وهل يملك اجتماع «4+4» أصلاً إنشاء مصدر جديد للشرعية الدستورية إذا رفضت المؤسسات القائمة اتفاقه؟

الوثائق الدستورية تكتسب شرعيتها عادة من مصدر تأسيسي معروف: استفتاء شعبي، جمعية تأسيسية منتخبة أو مفوضة بوضوح، أو مؤسسة قائمة يمنحها الدستور نفسه سلطة التعديل وفق أغلبية وإجراءات خاصة. أما إنشاء «آلية» لاحقاً ثم جعل معيارها أنها «واسعة التمثيل» من دون تعريف مسبق، فيجعل الشرعية نتيجة تقدير سياسي بعدي. وإذا كان الغرض هو معالجة عجز المؤسسات القائمة عن إقرار اتفاق يمس الإطار الدستوري، فإن الاستفتاء الشعبي المباشر يكون أكثر تحديداً من حيث صاحب التفويض: الشعب نفسه، لا مجموعة جديدة يختلف الليبيون لاحقاً على من اختارها ومن خوّلها.

  •  الدعم الدولي عبر مجلس الأمن لا يصنع وحده شرعية دستورية داخلية

يمكن لمجلس الأمن أن يدعم اتفاقاً سياسياً، وأن يحث الأطراف على تنفيذه، وأن يضعه ضمن إطار التسوية الدولية. لكن الدعم الدولي لا يحل بذاته محل مصدر الشرعية الدستورية الوطنية. والقرارات الحديثة لمجلس الأمن نفسها تؤكد أن العملية يجب أن تكون ليبية القيادة والملكية. لذلك فإن طلب دعم مجلس الأمن ينبغي أن يأتي بعد وجود أساس وطني مشروع، لا أن يستخدم لتعويض غياب هذا الأساس.

التمييز هنا مهم بين «الشرعية الدولية» و«الصحة الدستورية الداخلية». قد يحظى اتفاق بتأييد دولي واسع ويبقى محتاجاً إلى الإجراء الداخلي الذي يمنحه مرتبته القانونية. ومجلس الأمن نفسه يكرر مبدأ العملية الليبية القيادة والملكية. لذلك لا ينبغي أن تتحول عبارة «اعتماد دولي» إلى جسر يقفز فوق سؤالين وطنيين: من يملك دستورياً اعتماد الاتفاق؟ وإذا تعذر تحديد صاحب الاختصاص على نحو متفق عليه، فلماذا لا تُعاد الكلمة إلى الشعب في المسائل التأسيسية الكبرى؟

  • الاستفتاء على التسوية التأسيسية: معالجة لفجوة التفويض لا مجرد تصويت لاحق

إذا كانت المادة الخامسة تريد نقل اتفاق «4+4» من مستوى التفاهم السياسي إلى «وثيقة دستورية» تستطيع لاحقاً أن تحل أحكامها محل قواعد مخالفة، فإنها لا تتعامل مع تنفيذ فني بل مع فعل تأسيسي. في هذه الحالة يصبح الرجوع إلى الشعب أكثر من خيار سياسي: هو وسيلة لإسناد الأثر الدستوري إلى مصدر أصيل للسلطة، بدلاً من أن تستمد الآلية البديلة اختصاصها من الاتفاق الذي يفترض أنها ستضفي عليه الشرعية.

وتفيد تجربة اتفاق بلفاست في هذا الجانب: اتفاق سياسي شامل بين حكومات وأحزاب، تضمن ترتيبات للحكم والمؤسسات والأمن والحقوق، ثم عُرض على الناخبين في 22 مايو 1998. كما تفيد التجربة التشيلية بأن الاستفتاء يمكن أن يحسم «طريق التأسيس» نفسه، لا النص النهائي فحسب. ولا تعني المقارنة استنساخ نموذج أجنبي، بل تبرهن أن إحالة مفصل سياسي تأسيسي إلى الشعب ممارسة ديمقراطية معروفة وليست خروجاً على طبيعة العملية السياسية.

وفي الحالة الليبية ينبغي التمييز بين المسائل التي يمكن للمشرع المختص تعديلها داخل حدود التفويض القائم، وبين المسائل التي تعيد رسم المرحلة ذاتها. الأولى تعالجها المؤسسات. أما الثانية، ولا سيما إذا نشأت عن جسم محدود التمثيل واختلفت المؤسسات حول اعتمادها، فإن الاستفتاء العام المنظم بقانون واضح يوفر أساساً أقوى للقبول والاستقرار من توسيع دائرة المفاوضين ثم منحها وصفاً غير محدد بأنها «تكفي» لإضفاء الصفة الدستورية.

حادي عشر: المادة السادسة – آلية المتابعة وإعادة إنتاج الاجتماع المصغر

تلزم المادة أعضاء الاجتماع المصغر بوضع إطار عمل مع البعثة لمتابعة تنفيذ الاتفاق. المتابعة في ذاتها منطقية، لكن الجمع بينها وبين مدة 24 شهراً ومع دور الأطراف عند التعثر يجعل الاجتماع المصغر أقرب إلى جسم سياسي مستمر، لا لجنة مؤقتة أنهت مهمتها بتقديم تفاهمات. وهنا يبرز سؤال جديد: ما مصدر ولاية هذا الجسم المستمرة؟ ولمن يكون مسؤولاً؟ ومن يستطيع تغيير أعضائه؟ وما حدود سلطته في تفسير النص أثناء التنفيذ؟

إذا كانت مهمة «4+4» هي حل نقطتين محددتين في خارطة الطريق، فمن الطبيعي أن تنتهي وظيفته بعد إحالة التفاهم إلى الجهات المختصة. أما استمراره لمراقبة كل مسائل التنفيذ ثم عودته عند الخلاف فيعني إنشاء طبقة جديدة فوق المؤسسات، من دون نص دستوري ينظمها أو رقابة واضحة على أعمالها.

ثاني عشر: المادة السابعة – أخطر نقطة في الاتفاق: أولوية أحكامه على الدستور والقانون

  1.  لا يستطيع الاتفاق أن يمنح نفسه مرتبة فوق دستورية

إذا كانت المادة 7.1 تقرر أن أحكام الاتفاق وشروطه تحل محل جميع الأحكام المخالفة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، فإنها تمثل ذروة إشكال الاختصاص. فهذه العبارة لا تعدل مادة واحدة بالطريق الدستوري، بل تنشئ قاعدة إحلال عامة تجعل الاتفاق معياراً أعلى يقصي كل نص يخالفه. أي إنها تتعامل مع الاتفاق كأنه تعديل دستوري وقانون انتخابي في الوقت نفسه.

هذا غير ممكن في نظام تدرج القواعد إلا بعد أن يكتسب الاتفاق ذاته مرتبة قانونية مناسبة من مصدر أعلى وبإجراء مشروع. فإذا استلزم التنفيذ تعديلاً في الإعلان الدستوري، فيجب اتباع طريق التعديل المختص أو إنشاء سند تأسيسي مشروع. وإذا كان الاتفاق يراد له أن يحل بصورة شاملة محل قواعد دستورية وقانونية متنازع على الجهة المختصة بتغييرها، فإن المصادقة الشعبية المباشرة، ضمن إطار قانوني معلوم، تمنحه من حيث الشرعية الديمقراطية سنداً لا يستطيع أن يمنحه لنفسه. أما أن ينص الاتفاق على أولوية ذاته ثم يستمد من هذه الأولوية سلطة إسقاط المخالف، فهو استدلال دائري لا ينشئ سلطة تأسيسية.

  •  الخطر لا يقتصر على القوانين الانتخابية

العبارة تشير إلى «الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات»، وهو نطاق واسع قد يشمل أحكام الإعلان الدستوري وتعديلاته والقوانين النافذة وقواعد الطعن والاختصاصات. ومع الغموض في تحديد أي نصوص تعد «مخالفة»، يصبح تفسير الاتفاق نفسه أداة لتحديد ما يبقى من قواعد نافذة وما يسقط. وهذه سلطة هائلة لا ينبغي أن تترك لجسم تفاوضي مصغر.

  •  حل الخلاف بواسطة الأطراف نفسها

تلزم المادة الأطراف بحل الخلاف المتعلق بالاتفاق عبر الحوار المباشر، وتتيح للبعثة الدعوة إلى لقاء بناء على طلب أحد الطرفين. الحوار مرغوب سياسياً، لكن النص لا يحدد مرجعاً قانونياً فاصلاً إذا كان الخلاف يتعلق بتفسير حكم دستوري أو قانوني. وبذلك تصبح الأطراف التي صاغت الاتفاق صاحبة دور أساسي في تفسيره وتسوية النزاعات الناشئة عنه، بينما تغيب آلية قضائية أو دستورية واضحة.

في القضايا التي تمس حقوق الترشح، وصحة الانتخابات، والاختصاصات الدستورية، لا يكفي أن يكون الحل سياسياً. يجب أن يبقى القضاء صاحب الولاية في النزاعات القانونية وفق النظام القضائي الليبي، وإلا تحولت الخلافات في تطبيق قواعد انتخابية إلى تفاوض بين القوى السياسية بدلاً من خضوعها للقانون.

ثالث عشر: الآثار السياسية بعيدة المدى للاتفاق

  1.  خطر الانتقال من دولة المؤسسات إلى «توازن القوى»

إذا نجح اتفاق محدود التمثيل في فرض قواعد تعلو على الدستور والقانون بسبب قوة أطرافه السياسية، فإن السابقة أخطر من المواد نفسها. الرسالة تصبح أن القاعدة القانونية تتبع ميزان النفوذ، وأن من يجمع القوة الكافية يستطيع إعادة كتابة الإطار الدستوري خارج آلياته. هذه هي النقيض المباشر لفكرة الدولة: في الدولة تخضع القوة للقانون؛ وفي نظام توازن القوى يخضع القانون للقوة.

  •  برلمان الأفراد وصعوبة إنتاج حكومات مستقرة

التجربة الليبية خلال أكثر من عقد أظهرت كلفة المؤسسات التشريعية شديدة التفكك. النائب الفرد يتحرك في فضاء أضعف انضباطاً من النائب المرتبط ببرنامج وكتلة يمكن للناخب تقييمها. لا يعني ذلك أن الأحزاب دواء سحري أو أن كل حزب ديمقراطي داخلياً، لكن غيابها عن المنافسة المؤسسية يجعل تشكيل الأغلبية والسياسات العامة أكثر اعتماداً على التفاهمات الشخصية والمناطقية، وأقل قابلية للمساءلة عبر الانتخابات التالية.

  •  إعادة إدخال المؤسسة العسكرية في قلب المنافسة السياسية

ليبيا تحتاج إلى جيش للدولة، لا إلى دولة تتشكل بحسب توازنات الجيش. وإذا فُتح باب الترشح للعسكريين وهم في الخدمة، حتى مع نص عام على الحياد، فإن الانتخابات قد تتحول إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ العسكري بوسيلة انتخابية. بينما الفصل المسبق بين الخدمة والترشح يساعد على إعادة المؤسسة العسكرية إلى وظيفتها المهنية ويجعل المرشح العسكري السابق مواطناً سياسياً لا قائداً يخوض الانتخابات ومعه بنية أمر عسكري قائمة.

  •  إضعاف الملكية الشعبية للمسار السياسي والتأسيسي

منح البرلمان سلطة مبهمة لاعتماد الدستور، أو إنشاء آلية غير معرفة لإضفاء صفة دستورية على اتفاق يعيد تشكيل قواعد المرحلة، يقلل حضور الشعب في أكثر القرارات أثراً. وبعد سنوات من الانقسام، لا يكون الاستفتاء مجرد وسيلة لاختيار «نعم» أو «لا»؛ بل يمكن أن يكون آلية لإعادة ربط الشرعية بالمواطن، وحَكَماً بين مسارات متنافسة عندما تعجز المؤسسات عن إنتاج تفويض مقبول.

ولهذا ينبغي توسيع مفهوم الملكية الشعبية من «التصديق على الدستور في النهاية» إلى المشاركة المباشرة في المفاصل الكبرى خلال الانتقال. ولا يعني ذلك تحويل كل خطوة إلى استفتاء متكرر، بل تحديد نقاط محددة سلفاً يصبح بعدها المسار مختلفاً نوعياً: إنشاء سلطة انتقالية جديدة، تغيير مصدر الشرعية، تمديد جوهري، اعتماد تسوية دستورية، أو اختيار بين مسارات تأسيسية متعارضة.

  •  التمديد كحافز بنيوي لا كاتهام للنوايا

لا تحتاج القراءة الجادة إلى اتهام الموقعين بأنهم يريدون التمديد. يكفي فحص الحوافز التي يصنعها النص. عندما تمنح القوى القائمة عامين، وتجعل الانتخابات مشروطة بتوحيد واسع، ولا تضع أثراً تلقائياً للفشل، ثم تعيد الأطراف ذاتها إلى تقرير البديل، فإن النص يجعل استمرار دورها نتيجة ممكنة ومنظمة. في تصميم المؤسسات، لا يكفي حسن النيات؛ المهم هو بناء قواعد تجعل التعطيل مكلفاً والانتقال إلى الانتخابات هو المسار الأسهل.

  • خطر الطعون وعدم الاستقرار القانوني

كلما اتسعت المسافة بين الاتفاق وبين الأطر الدستورية النافذة، زاد احتمال انتقال الصراع من التفاوض السياسي إلى المحاكم. وإذا أجريت انتخابات على قواعد يطعن خصومها في أصل مشروعية اعتمادها، فإن الطعن لا يعود في نتيجة دائرة أو أهلية مرشح، بل قد يطال الأساس القانوني للاستحقاق كله. وهذا أسوأ سيناريو لانتخابات يراد لها أن تنهي النزاع، لأنها قد تنتج سلطة جديدة تحمل أزمة شرعية منذ لحظة ميلادها.

  •  تصميم العملية السياسية يحدد مآلاتها

تكشف تجربة «4+4» أن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على مضمون التسوية، بل يجب أن يشمل أيضاً كيفية إنتاجها. فالعملية التي تبدأ بتمثيل محدود ومائل نحو أصحاب القوة يمكن أن تنتهي، حتى من دون قصد، إلى قواعد تعيد إنتاج الوزن نفسه في المرحلة المقبلة. ومن هنا فإن الشمول لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إضافة تجميلية بعد اكتمال الاتفاق، بل شرطاً في مرحلة صياغة الخيارات نفسها.

وعليه، فإن أي مرحلة تصحيحية لاحقة ينبغي أن تجمع بين مسارين متوازيين: تفاوض فعلي مع الأطراف القادرة على التنفيذ، ومشاركة مؤسسية للقوى المدنية والسياسية التي ستتحمل مسؤولية بناء النظام الديمقراطي بعد التسوية. التوازن بين المسارين هو الذي يمنع تحول «الواقعية السياسية» إلى تكريس دائم لموازين القوة، ويمنع في المقابل أن تصبح المشاركة الواسعة بديلاً عن القدرة العملية على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

رابع عشر: حدود النقد وإمكان تصحيح المسار

ليس بالضرورة أن يقود هذا النقد إلى رفض الاتفاق بكامله. بعض عناصر الاتفاق يمكن أن تكون أساساً لتسوية مفيدة: الحاجة إلى حسم شروط الترشح للرئاسة، معالجة تناقضات الإطار الانتخابي، إعادة تشكيل المفوضية على أساس مهني، توحيد الحد الأدنى من المؤسسات اللازمة للانتخابات، وضبط جدول زمني. المشكلة ليست في أن الأطراف تفاوضت على هذه القضايا، بل في أن الوثيقة خلطت بين اقتراح الحل وبين امتلاك سلطة فرضه.

يمكن البناء على ما يصلح من الاتفاق إذا أعيد وضعه في مرتبته الصحيحة: تفاهم سياسي يقدم إلى المؤسسات والآليات المختصة، وتتحول أحكامه إلى قواعد نافذة عبر الأدوات الدستورية والتشريعية المقررة. أما العناصر التي تتجاوز التعديل الفني إلى إعادة تأسيس المرحلة، فينبغي أن تقترن بتفويض تأسيسي واضح، ويكون الاستفتاء الشعبي العام طريقاً قوياً ومناسباً عندما يكون الاختصاص المؤسسي محل نزاع أو عندما يترتب على القرار أثر ممتد يمس مستقبل الدولة وقواعد السلطة.

كما أن الحاجة إلى تجاوز انسداد مجلسي النواب والدولة لا تبرر إنشاء اختصاص بلا أساس. إذا ثبت أن المؤسسات القائمة عاجزة عن القيام بالوظيفة المطلوبة، فالطريق الأنظف هو الاتفاق صراحة على آلية تأسيسية بديلة، وتحديد مصدرها وتركيبتها ونصابها ومدتها واختصاصها وعلاقتها بالشعب قبل أن تبدأ عملها. أما إنشاء الآلية بعد رفض الاتفاق وبغرض إضفاء الصفة الدستورية عليه تحديداً فيقلب المنطق: تصبح الآلية مصممة لتصديق نتيجة جاهزة، لا لإنتاج شرعية مستقلة.

خلاصات ومرتكزات أي مسار سياسي قادم

تفضي هذه القراءة إلى أن اتفاق «4+4» يملك قيمة سياسية تفاوضية، لكنه لا يملك بمجرد التوقيع سلطة تأسيسية أو تشريعية. أخطر ما في بنيته هو الجمع بين محدودية مصدر التفويض واتساع الأثر: اجتماع مصغر يعالج مسائل تمس قوانين الانتخابات، وموقع الأحزاب، وشروط الترشح، والعلاقة المدنية العسكرية، ومسار الدستور، ثم تقرر إحدى مواده أن أحكامه تحل محل ما يخالفها في الإطار الدستوري والقانوني.

المرتكز الأول لأي مسار قادم هو إعادة الفصل بين ثلاثة أشياء اختلطت في الاتفاق: القدرة السياسية على التفاوض، والاختصاص القانوني في إصدار القاعدة، والسلطة التأسيسية في تغيير أصل القاعدة. أصحاب النفوذ يستطيعون صناعة التفاهم، لكن التفاهم لا يصبح دستوراً أو قانوناً لأنهم اتفقوا عليه. قوة الدولة تبدأ عندما تخضع القوة السياسية لقواعد الاختصاص، لا عندما تعيد القوة كتابة الاختصاص.

المرتكز الثاني هو أن «الشعب مصدر السلطات» يجب أن يتحول من مبدأ معلن إلى قاعدة تشغيلية في المرحلة الانتقالية. الشعب ليس جهة تصديق أخيرة تُستدعى فقط بعد أن تنتهي النخب من رسم الطريق كله. عندما يصل المسار إلى مفصل تأسيسي يغير قواعد انتقال السلطة، أو يعيد تشكيل المؤسسات السيادية، أو يمدد المرحلة، أو ينشئ جسماً جديداً، أو يمنح وثيقة سياسية مرتبة دستورية، يصبح الرجوع إلى الشعب وسيلة لاستعادة أصل الشرعية.

وهذا لا يعني الاستفتاء على كل قرار أو تفصيل. المطلوب هو التمييز بين «التنفيذ» و«التأسيس». القرارات التنفيذية والفنية تتولاها المؤسسات المختصة. أما المفاصل التأسيسية التي تنقل البلاد من إطار إلى آخر فتحتاج إلى سند أعلى: نص دستوري صريح وإجراء موصوف، أو تفويض تأسيسي خاص، أو استفتاء عام. وفي الواقع الليبي، حيث الاختصاصات نفسها موضع نزاع وحيث الاتفاق صادر عن دائرة محدودة، يكتسب الاستفتاء قيمة إضافية بوصفه حَكَماً شرعياً بين المسارات لا مجرد استطلاع للرأي.

المرتكز الثالث هو عدم اختزال الاستفتاء في الدستور الدائم. يمكن أن يسبق الاستفتاء الدستور وأن يحسم مساراً تأسيسياً أو تسوية سياسية كبرى. التجارب المقارنة تبين ذلك بوضوح: اتفاق بلفاست عُرض على الشعب باعتباره تسوية مؤسسية وسياسية شاملة، وتشيلي استفتت مواطنيها على بدء العملية التأسيسية ونوع الهيئة التي تصوغ الدستور قبل وجود النص النهائي. الفكرة التي تهم ليبيا هي أن الإرادة الشعبية يمكن أن تمنح الشرعية للطريق، لا للوثيقة النهائية فقط.

المرتكز الرابع هو حماية الحياة السياسية المؤسسية. التعددية الحزبية التي نص عليها الإعلان الدستوري لا تتحقق عملياً بمجرد السماح لأعضاء الأحزاب بالترشح كأفراد. النظام الذي يعيد البرلمان إلى منافسة فردية شبه كاملة يزيد، في البيئة الليبية، احتمالات عودة السياسة إلى شبكات القرابة والقبيلة والمدينة والجهة والمال والنفوذ. أما الأحزاب الوطنية، حين تعمل بقوائم وبرامج، فتساعد على نقل المنافسة من صراع المكونات الاجتماعية إلى صراع الأفكار والبرامج وعلى إنتاج كتل يمكن مساءلتها سياسياً.

المرتكز الخامس هو مدنية الدولة وحياد المؤسسة العسكرية. حق العسكري في المواطنة لا ينبغي أن يتحول إلى حق في الجمع بين سلطة الأمر العسكري والمنافسة على رأس السلطة السياسية. الفصل الفعلي بين الخدمة والترشح يحمي حق الفرد ويحمي المؤسسة في الوقت ذاته، ويعيد القاعدة إلى وضعها الطبيعي: دولة تملك جيشاً وطنياً مهنياً، لا مجالاً سياسياً تتحكم فيه موازين القوة العسكرية.

المرتكز السادس هو أن الطريق إلى الانتخابات يجب ألا يجعل الانتخابات رهينة إنجاز كل ملفات الانقسام. المطلوب حد أدنى واضح وقابل للقياس من الوحدة المؤسسية والأمن الانتخابي، مع موعد نهائي ونتائج معلومة للتعطيل. أما إعطاء 24 شهراً ثم إعادة الأطراف نفسها إلى التفاوض على «الآلية المثلى» عند الإخفاق فلا يصنع سقفاً نهائياً؛ بل يترك باب إعادة إنتاج المرحلة مفتوحاً.

المرتكز السابع هو أن أي آلية بديلة يجب أن تُعرّف قبل استخدامها: من ينشئها، ومن يختار أعضاءها، وما معيار تمثيلها، وما نصابها، وما حدود ولايتها، وكيف تُراجع قراراتها. وإذا كانت وظيفتها إضفاء صفة دستورية على تسوية تغير قواعد الدولة، فإن السؤال يصبح أكبر من تشكيل الآلية: لماذا لا يكون صاحب الكلمة النهائية، في هذه الحالة، هو الشعب الليبي نفسه عبر استفتاء عام منظم بضمانات قانونية وقضائية؟

المرتكز الثامن يتعلق ببعثة الأمم المتحدة. دور البعثة مهم وضروري في التيسير والوساطة، لكنه يستمد شرعيته هو الآخر من ولاية مجلس الأمن التي وضعت منذ 2011 بناء ليبيا الديمقراطية، وسيادة القانون، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، والملكية الوطنية في قلب المهمة. ومن ثم لا يقاس نجاح التيسير بعدد التوقيعات وحده، بل بمدى إنتاجه مساراً يحترم تدرج القواعد، ويوسع المشاركة، ويقود إلى شرعية قابلة للاستمرار بعد انسحاب الوسطاء.

المرتكز التاسع هو تصحيح هندسة المشاركة. لا يكفي توسيع التشاور بعد إنتاج الاتفاق، بل ينبغي أن تشارك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية المستقلة في صياغة البدائل قبل حسمها. وفي المقابل، لا يستهدف هذا التوسيع إقصاء الأطراف القائمة أو تجاهل موازين القوة، بل نقل العملية من تفاوض بين مراكز النفوذ إلى تسوية وطنية تضم القدرة على التنفيذ والقدرة على بناء الشرعية معاً. فالمسار الذي يراد له أن ينتهي بدولة مؤسسات يجب أن يعكس، منذ تصميمه، منطق المؤسسات لا منطق القوة وحده.

الخلاصة الأوسع أن الأزمة الليبية لم تعد تتحمل اتفاقاً جديداً ينجح في توزيع التفاهم بين القوى القائمة لكنه يترك أصل الشرعية معلقاً. المطلوب أن تتحول التسوية من تفاوض بين من يملكون القوة إلى عقد سياسي يعرف الليبيون أنهم شاركوا في منحه الشرعية. وكلما كان القرار أعمق أثراً في مستقبل الدولة، كان واجب الرجوع إلى الشعب أقوى. فالذين سيدفعون أثمان نجاح هذه المسارات أو فشلها لعقود هم الليبيون أنفسهم؛ ومن ثم لا ينبغي أن يبقوا متلقين لنتائجها، بل أصحاب الكلمة في مفاصلها التأسيسية.

مراجع ومرجعيات أساسية

  1. الإعلان الدستوري الليبي المؤقت الصادر في 3 أغسطس 2011 وتعديلاته، ولا سيما ديباجته والمادتان (1) و(4) والتعديل الدستوري الثالث عشر.
  2. القانون رقم 29 لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية.
  3. القانون رقم 10 لسنة 2014 بشأن انتخاب مجلس النواب في المرحلة الانتقالية وتعديلاته.
  4. الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات في 17 ديسمبر 2015، ولا سيما الأحكام المتعلقة بمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والتشاور بشأن المناصب السيادية.
  5. القانون رقم 6 لسنة 2018 بشأن الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم للبلاد وتعديلاته.
  6. خارطة ملتقى الحوار السياسي الليبي للمرحلة التمهيدية نحو حل شامل، 2020–2021.
  7. التعديل الدستوري الثالث عشر وآلية لجنة «6+6».
  8. القانون رقم 27 لسنة 2023 بشأن انتخاب مجلس الأمة.
  9. القانون رقم 28 لسنة 2023 بشأن انتخاب رئيس الدولة.
  10. تقرير اللجنة الاستشارية المنشأة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا سنة 2025 وخياراتها المتعلقة بحل القضايا الخلافية المؤثرة في الانتخابات.
  11. التقرير الختامي للحوار المُهيكل، 7 يونيو 2026، المتضمن أكثر من 525 توصية عبر مسارات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
  12. اتفاق الأطراف المشاركة في «الاجتماع المصغر» بشأن تنفيذ خارطة الطريق السياسية، طرابلس، 30 أغسطس 2026.
  13. قرار مجلس الأمن 2009 (2011)، المنشئ لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والمؤكد دعم عملية ليبية تستهدف إقامة ليبيا ديمقراطية ومستقلة وموحدة، ودعم الحوار والدستور والانتخابات والمؤسسات الخاضعة للمساءلة.
  14. قرار مجلس الأمن 2040 (2012)، ولا سيما ولاية البعثة في دعم «إدارة عملية الانتقال الديمقراطي» والانتخابات والدستور والشفافية والمساءلة.
  15. قرار مجلس الأمن 2095 (2013)، المؤكد دعم انتقال وبناء مؤسسات يقوده الليبيون بهدف إقامة ليبيا سلمية وديمقراطية ومستقلة وموحدة، ومركزية الانتخابات والدستور للانتقال الديمقراطي.
  16. قرار مجلس الأمن 2144 (2014)، الذي جعل دعم الانتقال إلى الديمقراطية أولوية فورية من أولويات ولاية البعثة وربطه بالحوار والانتخابات والدستور والمشاركة السياسية.
  17. قرار مجلس الأمن 2259 (2015)، المؤيد للاتفاق السياسي الليبي والمؤسسات الناشئة عنه والمشاركة في الانتقال الديمقراطي.
  18. قرار مجلس الأمن 2542 (2020)، بشأن الوساطة والمساعي الحميدة والعملية السياسية الشاملة وتنفيذ الاتفاق السياسي ودعم العملية الدستورية والانتخابات.
  19. قرار مجلس الأمن 2570 (2021)، بشأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الحرة والنزيهة والشاملة والأساس الدستوري والقانوني للانتخابات.
  20. قرار مجلس الأمن 2629 (2022)، بشأن إيجاد طريق إلى انتخابات حرة ونزيهة وشاملة على أساس دستوري وقانوني.
  21. قرار مجلس الأمن 2656 (2022)، ولا سيما الاعتراف برغبة الشعب الليبي في أن تكون له كلمته في من يحكمه من خلال الانتخابات.
  22. قرار مجلس الأمن 2702 (2023)، الذي أكد البناء على القوانين الانتخابية المحدثة المتفق عليها من لجنة «6+6» وأخذ علماً صراحة بالقانونين 28/2023 و27/2023.
  23. بيان مجلس الأمن الصحفي بشأن ليبيا، 27 فبراير 2024، المؤكد البناء على الاتفاق السياسي وخارطة ملتقى الحوار السياسي وقوانين «6+6» المحدثة.
  24. بيان مجلس الأمن الصحفي بشأن ليبيا، 28 أغسطس 2024، الذي أعاد التذكير بالبناء على الاتفاق السياسي وخارطة ملتقى الحوار السياسي والقوانين المحدثة واتساع المشاركة في الانتقال الديمقراطي.
  25. قرار مجلس الأمن 2755 (2024)، الذي كرر البناء على قوانين «6+6» وأخذ علماً صراحة بقانوني 28/2023 و27/2023.
  26. بيان مجلس الأمن بشأن خارطة الطريق، 3 سبتمبر 2025.
  27. قرار مجلس الأمن 2796 (2025)، الصادر في 31 أكتوبر 2025 والمجدد لولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2026، والذي أعاد تأكيد البناء على قوانين «6+6» وأخذ علماً نصاً بقانون الانتخابات الرئاسية رقم 28/2023 وقانون الانتخابات البرلمانية رقم 27/2023.
  28. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة (25)، وتعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان العام رقم 25 بشأن المشاركة في الشؤون العامة والانتخابات والاستفتاءات.
  29. المعايير الدستورية المقارنة المتعلقة بسيادة الشعب، والسلطة التأسيسية، وتدرج القواعد القانونية، والاستفتاءات على القرارات التأسيسية.
  30. ورقة «من معالجة الاختناقات إلى إعادة هندسة المسار؟»، قراءة سياسية وقانونية في مخرجات «4+4» وحدود التفويض والتعددية الحزبية وشرعية تأسيس دولة المستقبل في ليبيا، 29 أغسطس 2026.
  31. رسالة 57 حزباً سياسياً ليبياً إلى الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، السيدة هانا س. تيتيه، 25 أغسطس 2026، بشأن مخرجات «4+4» والنظام الانتخابي ومشاركة الأحزاب السياسية.
  32. رسالة 81 حزباً سياسياً إلى رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة، 27 أغسطس 2026، بشأن مخرجات «4+4» والنظام الانتخابي ومشاركة الأحزاب السياسية.
  33. رسالة الأحزاب السياسية الليبية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بشأن ضرورة اتساق تيسير البعثة لاتفاق «4+4» مع ولايتها وقرارات مجلس الأمن، سبتمبر 2026.
  34. «المقترح المتكامل لإنشاء مجلس تأسيسي ليبي»، 22 أغسطس 2026، بوصفه أحد البدائل التأسيسية المطروحة لإعادة الشرعية إلى الشعب عبر الاستفتاء وتسوية القضايا السياسية والدستورية والعسكرية.


بقلمالمكتب السياسي بالحزبكل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.