+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهاربناء الدولة وإنقاذ الوطن
ترجمة آليةالمحتوى مترجم آلياً عبر Google، والنص العربي هو المرجع الرسمي.العربية ←

أرشيف المستقبل (3/2)عن الفارق بين وصف الدولة التي نريدها، والقوة القادرة على صنعها

عمر الحبيشي 8 د قراءة2 مشاهدة
أرشيف المستقبل (3/2)عن الفارق بين وصف الدولة التي نريدها، والقوة القادرة على صنعها

عمر سالم فيتور الحبيشي.

==========================================

من البحث عن العائق إلى فهم الآلية

هذه التفسيرات المختلفة تتقاطع عند خطأ واحد: أنها تبحث غالباً عن العامل الذي يمنع ظهور الدولة، بدلاً من البحث عن الآلية التي تعيد إنتاج غيابها.

كل هذه التفسيرات تبحث عن العائق الذي يمنع ظهور الدولة، بينما السؤال الأصعب لا يتعلق بالعائق، بل بالآلية.
فالعائق قد يكون شخصاً، يمكن استبداله، وقد يكون حكومة، يمكن تغييرها، وقد يكون قانوناً، يمكن تعديله.

لكن إذا كان العائق موجوداً في طريقة توزيع القوة والمصالح والحوافز داخل النظام نفسه، فإن تغيير الأشخاص لن يغير النتيجة إلا مؤقتاً.

ولذلك هناك البعض ممن أجادوا الكتابة عن مستقبل ليبيا ووصف الدولة التي يريدونها، بينما واجه عدد أقل السؤال الأصعب:
من يملك اليوم القدرة والإرادة والمصلحة في تحويل هذا الوصف إلى واقع ملزم؟

والإجابة لا يمكن أن تقوم على القدرة وحدها، فالقدرة من دون مصلحة قد تنتج فرضاً مؤقتاً، والمصلحة من دون قدرة قد تنتج رغبة بلا أثر، والإرادة من دون قدرة ومصلحة قد تتحول إلى خطاب.

وإذا أخذنا الأزمة الليبية من زاوية الحوافز السياسية، فإن بناء الدولة يبدأ في لحظة ما عندما يصبح لدى الفاعلين القادرين على تعطيلها مصلحة حقيقية في العمل من داخلها، لا في إدارة حصتهم خارج قواعدها.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين الدولة التي نريدها والآلية التي تنتجها: ليست فجوة تقنية تُسد بمزيد من التخطيط، إنها فجوة سياسية، لا تُسد إلا حين يصبح لدى من يملكون القدرة مصلحة حقيقية في استخدامها لصالح تلك الدولة، لا لصالح حصتهم الراهنة.

السؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع وطني جديد

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا نريد أن نبني؟
بل:
من يخسر إذا قامت الدولة فعلاً؟
وما لم تُجب أي رؤية عن هذا السؤال تحديداً، فستبقى وصفاً جميلاً لمستقبل لن يغادر الأرشيف.
فالدولة الموحدة لا تعيد توزيع المنافع فقط، إنها تعيد توزيع القيود أيضاً، هي تقلص مساحات التصرف المنفرد، وتخضع الموارد لقواعد، وتضع حداً لنفوذ خارج المؤسسات، وتجعل الوصول إلى السلطة مرتبطاً بإجراءات يمكن أن تنتج فوزاً وخسارة، وتفرض على من يربح اليوم أن يقبل بإمكان خسارته غداً.

والدولة لا تعيد توزيع السلطة وحدها، إنها تعيد أيضاً تنظيم الموارد التي تجعل السلطة ذات قيمة.

ولذلك فإن بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وشفافية وقدرة على خلق الفرص ليس مشروعاً تنموياً منفصلاً عن بناء الدولة، بل أحد شروط استقرارها، فكلما ارتبط الوصول إلى الموارد العامة بمراكز القوة والنفوذ، بقيت السيطرة على الدولة غاية في ذاتها، وكلما أصبحت الموارد محكومة بقواعد ومؤسسات وفرص اقتصادية أوسع، انخفضت قيمة الاستحواذ على المركز بوصفه طريقاً إلى الامتياز.

ولهذا فإن بناء الدولة لا ينجح بمجرد طمأنة من يخافون المستقبل، كما لا ينجح بمعاقبة كل من كان جزءاً من الماضي.
المعادلة الأصعب هي:
«ضمان الانتقال دون مكافأة التعطيل»
أي أن يحصل الخاسر السياسي على طريق آمن للعودة إلى الحياة العامة، لا على حق دائم في تعطيل الدولة، وأن يضمن من يخرج من السلطة أنه لن يفقد حقوقه السياسية أو القانونية لمجرد خسارته، لكن من دون أن تتحول هذه الضمانات إلى حصانة من المساءلة عن الجرائم أو الفساد أو الانتهاكات التي يثبت ارتكابها وفق القانون.

وهنا تصبح المصالحة الوطنية أكثر من مجرد تسوية سياسية بين النخب، إنها عملية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وبين مكونات المجتمع بعضها وبعض، وهي لا تستقيم من دون عدالة انتقالية توازن بين مقتضيات الإنصاف ومنع الإفلات من العقاب، بحيث لا تتحول المصالحة إلى نسيان قسري للماضي، ولا تتحول العدالة إلى أداة لإقصاء الخصوم إلى الأبد.

فالضمان السياسي شيء، والحصانة القانونية شيء أخر، وإذا لم يُفصل بينهما، يمكن أن يتحول شعار «ضمان الخاسر» إلى غطاء لإعادة إنتاج الإفلات من العقاب.

نحتاج إلى نظام يجعل الخسارة قابلة للاحتمال، والعودة ممكنة، والربح مؤقتاً، والقواعد ثابتة.
فالديمقراطية المستقرة ليست النظام الذي يمنع الخسارة، بل النظام الذي يجعل الخاسر قادراً على قبولها.

الدولة ليست صفقة بين فرقاء
من هنا تأتي ضرورة تجاوز مفهوم تقاسم السلطة بصورته الشائعة، فتقاسم السلطة كما جرى في كثير من المراحل الانتقالية، تحول في أحيان كثيرة إلى تسوية بين قوى تخشى بعضها بعضاً، لكل طرف حصة، ولكل طرف قدرة ضمنية على تعطيل الآخرين، ولكل مرحلة مؤقتة آلية جديدة لتوزيع المواقع.

لكن الدولة الحديثة لا تقوم على تجميد الخوف داخل صفقة مستمرة، إنها تقوم على توزيع الاختصاصات والمسؤوليات داخل نظام مؤسسي واحد.

الفرق الجوهري، في التقاسم يصبح السؤال: كم أخذ كل طرف؟ أما في النظام المؤسسي، فيصبح السؤال: ما اختصاص كل مؤسسة؟ ومن تحاسب؟ ومن تراقب؟ وما حدودها؟ وما الذي يحدث عندما تختلف المؤسسات؟

الغاية ليست إلغاء التنافس، فالخلاف السياسي طبيعي، بل لا يمكن بناء نظام ديمقراطي من دونه، الغاية هي نقل الخلاف من الشارع والسلاح والصفقات المغلقة إلى قواعد يعرف الجميع مسبقاً كيفية العمل داخلها وكيفية حسم النزاع من خلالها.

الدولة لا تحتاج إلى غياب الخلاف، هي تحتاج إلى نظام يعرف ماذا يفعل عندما يقع الخلاف.

الحكم المحلي ليس تفكيكاً للدولة.
إذا كان جزء من الصراع الليبي ناتجاً عن تضخم قيمة المركز، فإن معالجة المشكلة لا تكون بالضرورة بمزيد من المركزية.
لكن توسيع الحكم المحلي يحتاج إلى تعريف دقيق حتى لا يتحول المفهوم نفسه إلى مصدر خوف جديد.
المقصود هو توزيع الاختصاصات التنفيذية والمالية والخدمية بصورة واضحة داخل دولة واحدة، ذات سيادة واحدة، ومؤسسات سيادية موحدة، وقواعد وطنية تحكم الجميع.
بهذا المعنى، فإن الحكم المحلي الموسع لا يمثل تهديداً لوحدة ليبيا، بل يمكن أن يكون إحدى أدوات حمايتها، فكلما تركزت الموارد والقرارات والفرص في مركز واحد، ارتفعت قيمة السيطرة عليه، وارتفع معها ثمن التنافس، أما توزيع الاختصاصات والموارد والمسؤوليات بصورة واضحة وشفافة ضمن دولة واحدة، فيجعل التنافس على المركز أقل احتكاراً وأقل خطراً.
الحكم المحلي، بهذا المعنى ليس بديلاً عن الدولة، بل إحدى آليات جعل الدولة أكثر قدرة على استيعاب تنوعها.

القوة التي تحمي الدولة لا التي تحكمها
لا يمكن أن يستمر النظام السياسي وفي داخله قوى تستطيع تعطيل قراراته بقوة السلاح، وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية مجرد إعادة تسمية أو نقل إداري لتشكيلات قائمة.
المطلوب هو تحويل القوة من أداة نفوذ سياسي إلى مؤسسة وطنية مهنية، تخضع للقانون، ولقيادة مؤسسية واضحة، ولرقابة مدنية، ولآليات مساءلة، وتعمل ضمن عقيدة وطنية واحدة.
فاحتكار الدولة للقوة لا يعني إطلاق يد السلطة في استخدامها، الدولة التي تحتكر القوة خارج القانون ليست دولة مؤسسات، إنها مجرد مركز أقوى للقوة.
أما الدولة المنشودة فهي التي تجعل القوة شرعية ومفيدة وقابلة للمساءلة، وعندها فقط يصبح السلاح أداة لحماية النظام العام، لا أداة لإعادة التفاوض على النظام السياسي نفسه.

وماذا عن الخارج؟
لا تستطيع ليبيا أن تبني سياستها الخارجية على افتراض أن العالم سيتصرف وفق ما تتمناه، الدول الأخرى تتحرك بمصالحها، كما تتحرك ليبيا عندما تكون قادرة على ذلك، وموقع ليبيا يجعلها مرتبطة مباشرة بملفات تتجاوز حدودها: أمن المتوسط، الطاقة، أمن الساحل، والتنافس الجيوسياسي.
ولهذا فإن الهدف ليس إخراج الخارج من ليبيا بمعنى غير واقعي، بل إخراج ليبيا من موقع الساحة التي تتلقى مصالح الآخرين دون أن تنتج هي مصالحها الوطنية القابلة للدفاع.
وهذا يقتضي الانتقال من خطاب يراوح بين الشكوى من التدخل والارتهان له، إلى دبلوماسية تعرف ما تريد وما الذي يمكن عرضه، وما الذي يمكن التفاوض عليه، وما الذي يمكن التفريط فيه.
وليست السيادة أن تتعامل مع كل علاقة خارجية باعتبارها تنازلاً عن الاستقلال، السيادة أن تعرف مصالحك، وأن تحدد ما تقبله وما ترفضه، وأن تمتلك مؤسسات قادرة على التفاوض من موقع الدولة، لا من موقع طرف داخل أزمة.
ودبلوماسية المصالح لا تعني التكيف مع انتقاص السيادة، بل استخدام أدوات التفاوض والتحالف والمصلحة الوطنية لاستعادتها وحمايتها.
فالسيادة ليست أن ترفض مصالح الآخرين، السيادة أن تكون قادراً على إدارة تعارض المصالح من موقع دولة، لا من موقع طرف داخل أزمة.

ما الذي ينبغي أن يتغير؟
إذا لم تكن المشكلة في نقص الرؤى، فما الذي ينبغي أن يتغير؟
ليس المطلوب إضافة مشروع جديد إلى الرف، المطلوب تغيير القواعد التي تجعل المشاريع السابقة عاجزة عن الوصول إلى الواقع.
وهذا يعني في تقديري، خمسة تحولات تأسيسية:

أولاً: من ضمانات الأشخاص إلى ضمانات النظام:
يحتاج من يخسر السلطة إلى حماية سياسية وقانونية تضمن له حق المشاركة والعودة، لكن داخل نظام واحد، لا عبر حصص ومحاصصة دائمة أو نفوذ موازٍ، مع بقاء المساءلة القانونية قائمة على الجميع دون استثناء.

ثانياً: من تقاسم السلطة إلى تنظيمها:
المطلوب ليس أن تحصل كل مجموعة على جزء من الدولة، بل أن تعرف كل مؤسسة حدود اختصاصها، وأن يصبح الوصول إلى السلطة وتداولها ومحاسبتها محكوماً بقواعد يمكن تطبيقها على الجميع.

ثالثاً: من تعدد مراكز القوة إلى احتكار الدولة المشروع والمقيد بالقانون للقوة:
لا تكون المؤسسة الأمنية والعسكرية الوطنية مجرد مظلة لتجميع القوى القائمة، بل مؤسسة مهنية تخضع للسلطة القانونية والرقابة والمساءلة، بحيث تصبح القوة في خدمة الدولة، لا شريكاً فوقها.

رابعاً: من صراع على المركز إلى توزيع فعال للسلطة داخل دولة واحدة:
الحكم المحلي الموسع يجب أن يكون وسيلة لتقريب القرار والخدمة والموارد من المواطن، لا طريقاً إلى تعدد السيادات أو تفكيك الدولة.

خامساً: من رد الفعل تجاه الخارج إلى دبلوماسية مصالح ذات قاعدة وطنية:
لا تحتاج ليبيا إلى خطاب أكثر ارتفاعاً، بل إلى سياسة خارجية أكثر وضوحاً، تعرف مصالحها الحيوية، وتحدد خطوطها الحمراء، وتعرف ما يمكن التفاوض عليه، وتحول موقعها وطاقتها ومواردها إلى أدوات تفاوض، لا إلى مصادر ضغط عليها.

وهذه التحولات ليست بديلاً عن مشروع وطني شامل في الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات والأمن والدفاع والسياسة الخارجية، بل هي الشروط السياسية والمؤسسية التي تجعل أي مشروع من هذا النوع قابلاً للتحقق والاستمرار.

يتبــــع في الجـــزء الثالـــث والأخيــر من هذه السلسلة:

<< مــن الدولـة المرغوبـة إلــى الدولـة القابلــة للحيــاة >>

عمر الحبيشي
بقلمعمر الحبيشي

عضو المكتب السياسي

كل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.