+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهاربناء الدولة وإنقاذ الوطن
ترجمة آليةالمحتوى مترجم آلياً عبر Google، والنص العربي هو المرجع الرسمي.العربية ←

أرشيف المستقبل (1/3).. عن الفارق بين وصف الدولة التي نريدها، والقوة القادرة على صنعها

عمر الحبيشي 5 د قراءة2 مشاهدة
أرشيف المستقبل (1/3).. عن الفارق بين وصف الدولة التي نريدها، والقوة القادرة على صنعها

بقــلــم: عمـــر ســالــم فيتـــور الحــبيشــــي.

لو جُمعت كل الوثائق التي كُتبت عن مستقبل ليبيا منذ عام 2011 في مكان واحد، لصنعت مكتبة، لا دولة.

رؤى، وخرائط طريق، ومبادرات وطنية، ومسودات دساتير، وتوصيات حوارات متعاقبة، وكل واحدة منها تصف دولة يصعب الاختلاف حول جمالها: دولة عادلة، موحدة، مزدهرة، تحكمها المؤسسات لا الأشخاص، ولو قُرئ أي نص من هذه النصوص بمعزل عن سياقه وتاريخه، لبدا صالحاً لأن يوقع عليه أي ليبي من أي طرف في أي مدينة.

وهنا تكمن المفارقة.

فالمشكلة في ليبيا لم تكن في جانب كبير منها، عجزاً عن تخيل الدولة التي نريدها، بل عجزاً عن بناء الآلية السياسية التي تجعل هذا التخيل واقعاً ملزماً.

لقد تكرر المشهد عشرات المرات: تُنتج ليبيا وصفاً مقنعاً لدولتها المرتقبة، ثم تكتشف أن الوصف، مهما بلغت دقته وجماله لا يبني شيئاً.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كثير من الأسئلة المتداولة ليس: ما الدولة التي نريد؟، فقد بات لدينا ما يكفي من الإجابات العامة عنه.

السؤال الأصعب هو:

من يملك اليوم القدرة والمصلحة والإرادة في تحويل الدولة من نص مرغوب إلى نظام يعمل؟

هذه ليست مسألة لغوية، بل مسألة تأسيس.

فالنقاش العام في ليبيا انشغل لسنوات بمن يسيطر على أي وزارة، ومن يوالي أي معسكر، ومن يتولى أي موقع، ومتى تُعقد الانتخابات، وكيف تُعاد هندسة السلطة التنفيذية.

وهي كلها أسئلة مشروعة، لكنها في كثير من الأحيان أسئلة عرض، لا أسئلة مرض، تنشغل بشكل الأزمة وتوزيعها أكثر مما تنشغل بالآلية التي تعيد إنتاجها.

حتى لو حُسمت بعض هذه الأسئلة بتسوية عاجلة، أو بإعادة توزيع للمناصب، أو بنجاح أمني مؤقت، سيظل سؤال أعمق قائماً:

من يملك الحق المعترف به من الجميع في اتخاذ قرار يُلزم كل الجميع؟ ومن يملك القدرة على إنفاذه عندما يرفضه من يملك القوة أو النفوذ؟.

هذه هي العقدة التي كثيراً ما تُدفن تحت طبقات من التفاصيل.

ليست كل الحلول المقترحة خاطئة، لكنها كثيراً ما تبدأ من المكان الخطأ.

يقول كثيرون إن الأمن هو المدخل: ثبتوا الهدنة، وحدوا السلاح، واحصروه في يد الدولة، والباقي سيتبع.

لكن هذا القول يقلب السببية.

فالقوة المسلحة ليست كلها خارج الدولة في انتظار أن تستوعبها، وليست كلها داخلها بمعنى مؤسسي مكتمل، وفي حالات متعددة أصبحت القوة جزءاً من ترتيبات أوسع لتوزيع النفوذ والموارد والحماية والوصول إلى القرار.

توحيد السلاح ليس خطوة تقنية تسبق الحل السياسي، هو الحل السياسي نفسه، مؤجلاً بعبارة «أهدأ».

من يقرر؟ ومن يملك القوة؟ ومن يقبل أن تصبح تلك القوة خاضعة لقواعد لا تتغير بتغير موازين اللحظة؟.

وفي المقابل، فإن بناء مؤسسات أمنية موحدة لا يعني استبدال تعدد مراكز القوة بمركز قوة واحد خارج الرقابة، بل يعني أن تصبح القوة احتكاراً مشروعاً للدولة، مقيداً بالقانون، وخاضعاً للمؤسسات والرقابة والمساءلة.

ويقول آخرون إن المشكلة إرادة سياسية مفقودة، وكأن الحل جاهز في درج، وينتظر فقط من يوقعه بشجاعة، وهذا تفسير مريح لأنه أخلاقي أكثر منه بنيوي.

لكنه يغفل أن الإرادة السياسية ليست رغبة مجردة، فهي تتشكل عادةً من تفاعل المصالح والحسابات والاعتبارات السياسية والاجتماعية، وقد يملك الفاعل قناعة حقيقية بالتغيير، لكنه يتراجع عندما يرى أن كلفته السياسية والأمنية أكبر من قدرته على تحملها.

الإرادة لا تُستدعى بالنداء، إنها نتاج حساب: ماذا أخسر، وماذا أربح، إن غيرت موقفي؟.

ومن هنا، فإن الحديث عن معادلة الربح والخسارة لا يعني اختزال السياسة في المنفعة وحدها، ولا يعني أن الفاعلين يتحركون دائماً وفق حساب مادي، لكنه يعني أن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى أن تجعل الالتزام بالنظام أكثر قابلية للاستمرار من الخروج عليه.

فالإرادة السياسية لا تُنتجها المناشدة وحدها.

إنها تصبح أكثر قابلية للتحقق عندما تتغير الحوافز، وتتضح الضمانات، وتصبح كلفة التعطيل أعلى من كلفة التسوية.

وفي الحالة الليبية لا يمكن تجاهل الفاعلين السياسيين والأمنيين والعسكريين والاقتصاديين، يملكون بدرجات مختلفة القدرة على التأثير في مسار الدولة أو تعطيله، كما أن جزءاً من النُخب المحلية والاجتماعية يمتلك نفوذاً لا يظهر دائماً في شكل سلطة رسمية، لكنه يؤثر في قبول القرارات أو مقاومتها.

ولهذا فإن بناء الدولة لا يتطلب إقناع الجميع دفعةً واحدة، بقدر ما يتطلب إعادة تنظيم الحوافز أمام الفاعلين القادرين فعلياً على التأثير في استقرار النظام أو تعطيله.

الانتخابات لا تنتج الشرعية وحدها

ويرى فريق ثالث أن الحل يبدأ من صندوق الاقتراع: انتخابات، فشرعية، فاستقرار، وهذا صحيح جزئياً أو في حدود.

فالانتخابات ليست مجرد صناديق تُفتح، بل نظام سياسي يجب أن تكون فيه نتيجة الصندوق قابلة للحياة بعد إعلانها.

وقد أثبتت تجربة 2021 أن الجاهزية التقنية لإجراء الانتخابات لا تكفي وحدها، فقد تعذر إجراء انتخابات 24 ديسمبر وسط خلافات سياسية وقانونية وأمنية، من بينها إشكالات تتعلق بالإطار القانوني وأهلية بعض المترشحين والبيئة اللازمة لإجراء الانتخابات.

وهذا يقود إلى سؤال أعمق من سؤال التصويت نفسه:

ماذا يحدث في اليوم التالي للنتيجة؟ من يقبل بالخسارة؟ ومن يفقد منصبه لكنه لا يفقد مكانته السياسية؟

ومن يضمن ألا تتحول الهزيمة الانتخابية إلى إقصاء كامل يدفع صاحبها إلى العودة إلى أدوات خارج النظام؟

صندوق بلا تسوية سابقة حول من يقبل بنتيجته، ومن يحتفظ بسلاحه بعدها، ومن يخسر منصبه دون أن يخسر نفوذه، ليس صندوقاً يُنتج شرعية، إنه ساحة جديدة للصراع نفسه بأدوات تبدو ديمقراطية.

الخارج ليس مؤامرة واحدة

أما الاعتقاد بأن الخارج متآمر على ليبيا، وحريص بطبيعته على إبقائها منقسمة، فهو بدوره تفسير مريح لمشهد أكثر تعقيداً، فهو يبحث عن إرادة شريرة في الخارج، بدلاً من أن يسأل عن الفراغ الذي جعل التدخل الخارجي ممكناً ومربحاً.

القوى الإقليمية والدولية لا تتحرك ككتلة واحدة، ولا تمتلك رؤية واحدة لليبيا، إنها تتعامل معها وفق حسابات مختلفة: أمن حدود، الطاقة، الهجرة، الموقع الجغرافي، النفوذ الإقليمي، والمنافسة الجيوسياسية.

ولا يصح في المقابل اختزال هذا السلوك كله في «المصلحة» بمعناها الاقتصادي الضيق، الخارج لا يصنع الفراغ الليبي من عدم، هو يملأ فراغاً صنعه غياب تسوية داخلية، ثم يصعب عليه أن يتخلى عن الفراغ الذي ملأه.

وهذا لا يعفي الخارج من مسؤولية استثمار الانقسام، فالدول تتحرك أيضاً وفق اعتبارات الأمن القومي، والتحالفات، والتوازنات الإقليمية، والسياسات الداخلية، وتقديرات المخاطر، لكنه يستطيع أن يستثمره، وأن يملأ أجزاء منه عندما يخدم ذلك مصالحه، ومع مرور الوقت يصبح من الصعب على الأطراف التخلي عن ترتيبات منحتها نفوذاً أو حماية أو حتى هامش حركة.

لكن النتيجة العملية واحدة:

ليبيا أصبحت ساحة تتزاحم فيها مصالح خارجية متعددة فوق أرضية داخلية لم تنجح بعد في إنتاج تسوية سياسية مستقرة.

والفرق مهم، فالمؤامرة تفترض خصماً واحداً لا يمكن التفاوض معه، أما تضارب المصالح فيعني أن هناك أطرافاً يمكن التفاوض معها عندما تتغير كلفة خياراتها ومكاسبها.

يتبــــع فـــي الجـــزء الثــــانــــي:

<<من البحث عن العائق إلى فهم الآلية>>.


عمر الحبيشي
بقلمعمر الحبيشي

عضو المكتب السياسي

كل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.