عن الفارق بين وصف الدولة التي نريدها، والقوة القادرة على صنعها
==========================================
?عمر سالم فيتور الحبيشي.
==========================================
من «الدولة المرغوبة» إلى «الدولة القابلة للحياة»:
إذا كان الجزآن السابقان قد حاولا تفكيك السؤال القديم: لماذا لم تُبنَ الدولة؟ فإن السؤال الذي يبقى بعد ذلك أكثر صعوبة: كيف نصمم دولة تستطيع أن تعيش؟.
فالدولة لا تصبح قابلة للحياة بمجرد أن نحدد شكلها المثالي، ولا بمجرد أن نتوافق على دستور أو نُجري انتخابات أو نعلن انتهاء الانقسام، هذه كلها محطات مهمة في الطريق، لكنها ليست الطريق كله.
أما الدولة نفسها، فهي شيء آخر.
هي النظام الذي يجعل الخلاف ممكناً من دون أن يصبح انهياراً، وتداول السلطة ممكناً من دون أن يصبح معركة وجود، والمنافسة على الموارد ممكنة من دون أن تتحول الدولة إلى غنيمة، واستخدام القوة ممكناً فقط داخل قواعد معلومة، لا وفق موازين القوى المتغيرة.
وهذا في جوهره هو الانتقال من الدولة التي نريدها إلى الدولة التي تستطيع أن تبقى.
وهنا يمكن أن تكون الرؤية المستقبلية لليبيا من خلال تصور واسع لهذه الدولة: دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على المواطنة والمساواة، تقودها المؤسسات ويسودها القانون، وتجمع بين الاستقرار والتنمية والانفتاح على العالم.
لكن قيمة أي رؤية لا تُقاس فقط بجودة ما تصفه، بل بقدرتها على تحويل هذا الوصف إلى نظام يعمل في الواقع.
«الدولة القابلة للحياة تبدأ من طريقة إدارة الخلاف، قد يبدو هذا تفصيلاً، لكنه في الحقيقة جوهر المسألة».
ليست المشكلة أن الليبيين يختلفون، فالمجتمعات بطبيعتها تختلف، والسياسة في جوهرها إدارة للاختلاف، المشكلة أن خلافاتنا كثيراً ما تتجاوز المؤسسات، فتتحول من منافسة سياسية إلى صراع على وجود المؤسسات نفسها.
ولهذا فإن الدولة القابلة للحياة لا تحاول إلغاء الخلاف، بل تمنعه من تدمير الإطار الذي يحدث داخله.
يجب أن يستطيع السياسي أن يخسر اليوم، ثم يعود غداً.
ويجب أن يستطيع الطرف الذي لم يحصل على ما يريد أن يبقى داخل اللعبة، لا أن يرى في النتيجة السياسية سبباً للخروج منها، ويجب أن يكون تغيير الحكومة تغييراً للحكومة، لا تغييراً لمعادلة الدولة كلها.
هذه ليست مسألة أخلاقية فقط، إنها مسألة تصميم سياسي.
فالديمقراطية المستقرة ليست النظام الذي يمنع الخسارة، بل النظام الذي يجعل الخاسر قادراً على قبولها.
وعندما تصبح الخسارة السياسية مؤقتة، والمنافسة قابلة للتكرار، والعودة إلى السلطة ممكنة عبر القواعد نفسها، لا تعود الخسارة نهايةً للمسار السياسي، ولا يصبح الفوز شرطاً للبقاء.
عندها تتراجع الطبيعة الصفرية للمنافسة، ويصبح الاختلاف السياسي أقل تهديداً لوجود الدولة نفسها.
الدولة القابلة للحياة لا توزع السلطة فقط، بل تضبط حدودها واختصاصاتها.
هناك فرق بين أن تتوزع السلطة، وبين أن تصبح السلطة محكومة.
فيمكن أن نوزع الاختصاصات والصلاحيات بين جهات عدة، ونظل أمام دولة هشة إذا لم نعرف أين تنتهي صلاحية كل جهة، ومن يراقبها، ومن يستطيع إيقاف تجاوزها.
ولهذا فإن الدولة التي نريدها يجب أن تكون واضحة في سؤالين بقدر وضوحها في سؤال: «من يحكم؟».
ما حدود من يحكم؟
ومن يحاسبه إذا تجاوزها؟
هنا تصبح المؤسسة أهم من الشخص، والاختصاص أهم من التفاهم الشخصي، والقانون أهم من ميزان القوة المؤقت.
ويكتسب الحكم المحلي في هذا السياق معنى أكبر من مجرد توزيع إداري للصلاحيات، ففكرة الحكم المحلي الموسع لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تخفيفاً عن المركز فقط، بل اعتبارها وسيلة لجعل القرار العام أقرب إلى المواطن، والخدمة أكثر قابلية للقياس، والمسؤولية أوضح.
الدولة الموحدة لا تحتاج إلى أن يكون كل شيء فيها مركزياً، بل تحتاج إلى أن يكون ما هو وطني وطنياً، وما هو محلي محلياً، والحد الفاصل بينهما واضحاً ومحمياً بالقانون.
لكن وضوح حدود السلطة لا يكفي إذا ظلت خارجها قوى تستطيع فرض إرادتها، أو موارد تستطيع تحويل النفوذ السياسي إلى امتياز مادي.
وعندما تتغير العلاقة بين السلطة والثروة، يتغير أيضاً معنى الدولة بالنسبة إلى المواطن، إذ لا تعود الدولة مجرد مصدر للموارد، بل تصبح إطاراً للفرص والخدمات والحقوق.
لكن هذه العلاقة لا تستمر إذا ظلت المؤسسات مرتبطة بالأشخاص، لأن ما يكتسبه المواطن في عهد قد يضيع بتغير المسؤول.
وحين تستقر مؤسسات الدولة في الداخل، تصبح سياستها الخارجية امتداداً لقدرتها، لا تعويضاً عن ضعفها.
وجود القوة في الدولة ليس المشكلة؛ السؤال هو: لمن تخدم، ومن يضبط استخدامها؟
كل دولة تحتاج إلى قوة تحمي حدودها، وتصون أمنها، وتفرض القانون، لكن الدولة تبدأ فعلاً عندما تصبح القوة العامة خادمة للنظام العام، لا طرفاً في تشكيله.
لهذا فإن القضية ليست في وجود جيش قوي أو أجهزة أمن قوية، بل في طبيعة العلاقة بين القوة والدولة.
من يضع العقيدة؟
من يحدد المهمة؟
من يملك قرار الاستخدام؟
من يراقب الموارد؟
ومن يحاسب عندما تتحول القوة من وظيفة عامة إلى وسيلة سياسية؟
الدولة الحديثة لا تلغي القوة، بل تخرجها من موقع الخصم السياسي إلى موقع الوظيفة العامة الخاضعة للقانون، وهذا يتماشى مع الرؤى التي تتحدث عن مؤسسة دفاعية موحدة ومهنية، وعن مؤسسات أمنية تعمل وفق عقيدة وطنية وتحمي سيادة القانون وحقوق الإنسان مع الشفافية والمساءلة.
والغاية في النهاية ليست أن تصبح الدولة أقوى من المجتمع، ولا أن يصبح الأمن بديلاً عن السياسة؛ بل أن تصبح القوة محكومة بالدولة، لا حاكمة للدولة، وأن تتوقف الثروة العامة عن كونها جائزة سياسية.
هذه واحدة من أهم النقاط التي يمر عليها النقاش الليبي عادةً بسرعة.
لكن لا يمكن بناء نظام سياسي مستقر إذا ظلت الدولة هي الطريق الأقصر إلى الثروة، عندما يصبح الوصول إلى القرار العام وسيلة للسيطرة على الموارد، تتحول المنافسة السياسية طبيعياً إلى منافسة على الاستحواذ.
وعندما تصبح فرص العمل والعقود والاستثمارات والخدمات مرتبطة بالنفوذ أكثر من ارتباطها بالقواعد، يصبح الدفاع عن النفوذ دفاعاً عن المصالح المادية، لا عن المواقف السياسية فقط.
لذلك فإن إصلاح الاقتصاد ليس مجرد تنويع لمصادر الدخل، رغم أهمية ذلك في الرؤى المستقبلية، بل هو أيضاً إعادة تعريف للعلاقة بين السلطة والثروة، ولهذا ينبغي أن يصبح التنويع الاقتصادي، وتنشيط القطاع الخاص، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال ضمن مرتكزات المشروع الوطني.
الهدف الأعمق أن يصبح النجاح الاقتصادي ممكناً خارج باب السلطة، حين يستطيع المواطن أن ينتج ويستثمر ويعمل ويبني مشروعاً وينجح من دون أن يحتاج إلى حماية سياسية خاصة، عندها يبدأ الاقتصاد في التحرر من الارتهان للنفوذ السياسي، وتبدأ السياسة نفسها في فقدان بعض دوافع الصراع حول المال العام.
وحين يصبح الانتفاع بالمال العام محكوماً بالقانون، لا بالنفوذ، تتغير طبيعة الصراع نفسه، هنا يصبح الاقتصاد شريكاً في بناء الدولة، لا مجرد قطاع من قطاعاتها.
الدولة التي لا يلمسها المواطن ستبقى فكرة مجردة، فمهما بلغت جودة الدستور والمؤسسات، لن تصبح الدولة راسخة في وعي المواطن إذا بقي حضورها في حياته ضعيفاً أو غير عادل.
المواطن لا يختبر الدولة في المؤتمرات.
يختبرها عندما يريد مدرسة جيدة، ومستشفى يعمل، وطريقاً صالحاً لا يضر سيارته، وخدمة عامة محترمة، وفرصة عمل، وقضاء يستطيع اللجوء إليه دون خوف، وإدارة لا تجعله رهينة للواسطة.
ولهذا فإن بناء الإنسان، وتحسين الخدمات، وتوفير الحماية الاجتماعية، ومعالجة آثار الانقسام والمصالحة الوطنية، ليست فصولاً جانبية في مشروع الدولة، بل هي الطريقة التي تكسب بها الدولة شرعيتها اليومية.
الدولة لا تطلب من المواطن أن يؤمن بها أولاً، بل تمنحه أسباباً عملية لهذا الإيمان، من خلال ما يراه ويختبره في حياته اليومية.
والمؤسسة الناجحة هي التي تستطيع الاستمرار بعد رحيل صاحبها.
ربما يكون هذا أبسط معيار يمكن أن نختبر به نضج الدولة:
ماذا يحدث عندما يتغير الأشخاص؟
إذا تعطلت المؤسسة برحيل رئيسها، أو تغيرت السياسة بتغيير مديرها، أو توقفت البرامج بتغيير الحكومة، فنحن أمام سلطة تعمل من خلال الأشخاص، لا دولة تعمل من خلال مؤسسات.
أما المؤسسة الحقيقية فهي التي تستوعب التغيير وتستمر، ولهذا لا يكفي أن تكون لدينا أجهزة كثيرة، بل ينبغي أن نعرف لماذا توجد، وما اختصاصها، وكيف تُقاس نتائجها، وكيف تُراقب، ومن يتحمل مسؤولية إخفاقها.
هنا يصبح التحول الرقمي والحوكمة والكفاءة وبناء القدرات أدوات لبناء الدولة، لا مجرد مشاريع تحديث إداري.
الدولة لا تصبح قوية بكثرة مؤسساتها.
تصبح قوية عندما تصبح قواعدها أقوى من الأشخاص الذين يعملون داخلها، والسيادة ليست موقفاً … بل قدرة.
أما علاقة ليبيا بالعالم، فلا ينبغي أن تُقاس بعدد البيانات التي تقول إننا نرفض التدخل أو نتمسك بالسيادة، السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على تحديد أولوياتها، والتفاوض من موقع واضح، وحماية مصالحها، والاستفادة من موقعها وثروتها وعلاقاتها دون أن تتحول إلى ساحة لتنافس الآخرين.
لا توجد دولة حديثة تعيش خارج العالم، لكن هناك فرقاً بين دولة تدخل العالم بسياسة، ودولة يدخل الآخرون إليها في غياب سياستها.
ولهذا تحتاج ليبيا إلى تحويل السياسة الخارجية من إدارة ردود الأفعال إلى بناء استراتيجية للمصلحة الوطنية، تستثمر الدبلوماسية الاقتصادية، وتطور مؤسساتها الخارجية، وتتعامل مع الاتفاقيات والعلاقات الدولية من موقع القدرة على التقييم والتفاوض.
السيادة ليست أن تكون ضد العالم، السيادة أن تدخل العالم وأنت تعرف ماذا تريد.
ما الذي يجعل هذه المنظومة قابلة للبقاء؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة، لا يكفي أن نجمع هذه العناصر إلى جوار بعضها: مؤسسات، اقتصاد، أمن، حكم محلي، مجتمع، وسياسة خارجية.
الدولة لا تعمل بمنطق التجاور بين الملفات، بل بمنطق الترابط بينها.
هذه العناصر يجب أن تكون مرتبطة ببعضها في نظام واحد.
المؤسسة تحتاج إلى شرعية، والشرعية يعززها الأداء، والأداء يحتاج إلى موارد، واستدامة الموارد تحتاج إلى اقتصاد منتج، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة قانونية وأمنية مستقرة، والأمن يحتاج إلى مؤسسة مهنية، والمؤسسة تحتاج إلى رقابة، والرقابة تحتاج إلى قواعد تحميها، وهكذا.
كل حل منفرد يمكن أن يتحول إلى مشكلة إذا عُزل عن بقية النظام، ولهذا فإن الدولة القابلة للحياة ليست التي تملك أفضل إجابة في كل ملف على حدة، بل التي تستطيع أن تجعل إجاباتها المختلفة تعمل معاً.
الدولة التي تصمد أمام التغيير.
الاختبار النهائي ليس أن تنجح الدولة في الظروف الهادئة، الاختبار أن تتغير الحكومة ولا تنهار، أن يخسر طرف الانتخابات ولا يحمل السلاح، أن يتغير توزيع النفوذ ولا تتغير حدود الدولة، أن تحدث أزمة اقتصادية ولا تتحول إلى أزمة نظام، أن يقع خلاف سياسي ولا يصبح خلافاً على وجود الدولة نفسها، أن تتغير موازين العلاقات الخارجية ولا تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة.
عندها فقط نكون أمام دولة بدأت تتجاوز الأشخاص والظروف.
وهذا هو المعنى الحقيقي للدولة القابلة للحياة:
ليست الدولة التي لا تهتز، بل الدولة التي تستطيع أن تهتز من دون أن تسقط.
وهنا يتضح أن المهمة الليبية ليست كتابة نسخة جديدة من الدولة المثالية، لدينا ما يكفي من النصوص، المهمة هي بناء القواعد التي تجعل الدولة قادرة على العمل عندما تختلف النوايا، وتتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتظهر الأزمات.
والدولة التي يستطيع المختلفون جميعاً العمل داخل قواعدها هي الدولة التي تملك فرصة حقيقية للبقاء.
من أرشيف المستقبل إلى صناعة المستقبل
ربما تكون المفارقة أن ليبيا لا تعاني من فقر الأفكار بقدر ما تعاني من عجز عن تحويل الأفكار إلى نظام مستقر، ولهذا فإن التحدي المقبل ليس أن نسأل مرةً أخرى:
أي دولة نريد؟
لقد أجبنا عن ذلك مرات كثيرة، السؤال الأصعب هو:
أي نظام يجعل هذه الدولة ممكنة، وقابلة للاستمرار، حتى عندما لا يكون في السلطة من نحب، وحتى عندما نخسر ما نريد؟
هنا يبدأ بناء الدولة.
عندما تصبح السلطة قابلة للتداول، والثروة قابلة للإنتاج خارج باب النفوذ، والقوة خاضعة للقانون، والخدمة العامة خاضعة للقياس، والخلاف قابلاً للإدارة، والمواطن يرى نتائج الدولة في حياته، والسياسة الخارجية تملك أدواتها لا شعاراتها.
عندها فقط يتحول المستقبل من فكرة إلى نظام، ومن نص إلى ممارسة، ومن رؤية إلى دولة.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى في أرشيف السنوات الماضية:
ليبيا لا تحتاج إلى وصف جديد للدولة التي تحلم بها، تحتاج إلى بناء الدولة التي تستطيع أن تعيش بعد انتهاء الحلم.
فالدولة لا تُبنى حين نتفق جميعاً على صورتها، بل حين نختلف داخلها ولا نحتاج إلى هدمها.
وعندها فقط، لا يعود المستقبل أرشيفاً نكتب فيه ما كنا نريد أن يحدث … بل واقعاً يحدث لأن الدولة أصبحت أقوى من أزماتها، وأبقى من أشخاصها، وأوسع من صراعاتها.
==========================================
انتهى المقال بأجزائه الثلاثة.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري