
مقدمة
تأتي الإحاطة المرتقبة للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، في لحظة سياسية حساسة، تتقاطع فيها عدة مسارات متزامنة.
أولاً: المحددات الرئيسية التي ستؤثر على الإحاطة
- انتهاء أعمال الحوار المهيكل بمساراته الأربعة: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
- استمرار مسار «4+4» بين حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة بشأن مفوضية الانتخابات والقوانين الانتخابية.
- فشل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى توافق نهائي حول القاعدة الانتخابية.
- استمرار الأزمة الاقتصادية والانقسام المؤسسي وتزايد الضغوط الاجتماعية.
- وجود توجه أممي متصاعد نحو إعادة هندسة العملية السياسية الليبية ضمن ما يسمى خارطة الطريق التي أعلنتها البعثة في أغسطس 2025.
كما تأتي الإحاطة ضمن مرحلة تحاول فيها البعثة الأممية الانتقال من «إدارة الجمود» إلى «إنتاج مسار سياسي جديد»، في ظل تراجع الثقة الدولية في قدرة الأجسام الحالية على إنجاز الانتخابات أو توحيد المؤسسات.
فشل المسار التقليدي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة
الإحاطات السابقة للمبعوثة ركزت بوضوح على أن المجلسين لم ينجحا في إنجاز القوانين الانتخابية أو توحيد المؤسسات، وأن استمرار التعطيل يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وهذا يعني أن البعثة أصبحت أقرب إلى:
- تجاوز الاحتكار السياسي للمجلسين.
- أو فرض إطار سياسي موازٍ.
- أو توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
خارطة الطريق الأممية – أغسطس 2025
خارطة الطريق التي طرحتها البعثة قامت على ثلاث ركائز رئيسية:
- إعداد إطار انتخابي قابل للتنفيذ.
- توحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة.
- إطلاق حوار سياسي واسع المشاركة.
وهذا يعزز احتمال أن تكون إحاطة يونيو 2026 «مرحلة انتقال من التشخيص إلى التنفيذ».
مخرجات الحوار المهيكل
رغم أن مخرجات الحوار المهيكل تندرج في إطار المشورة والتوصيات غير الملزمة، فإنها توفر للبعثة الأممية قاعدة سياسية ومعرفية مهمة يمكن الاستناد إليها في صياغة المرحلة المقبلة من العملية السياسية.
كما تمنح أي مبادرة جديدة قدراً أكبر من الشرعية التشاركية، باعتبارها تعكس خلاصات نقاشات تناولت قضايا الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية بمشاركة طيف واسع.
الضغوط الدولية والإقليمية
هناك إدراك دولي متزايد بأن:
- استمرار الانقسام يهدد إنتاج النفط.
- ويزيد الهجرة غير النظامية.
- ويُبقي ليبيا ساحة نفوذ إقليمي ودولي مفتوح.
لذلك يوجد ضغط نحو:
- تسوية سياسية مرنة.
- حكومة موحدة.
- وإطار انتخابي مرحلي.
ثانياً: السيناريوهات المتوقعة للإحاطة
السيناريو الأول: إطلاق حوار سياسي جديد وفق المادة 64 من الاتفاق السياسي
السيناريو الممكن
مضمون السيناريو
أن تعلن المبعوثة، بشكل غير مباشر أو مباشر، أن:
- الأجسام الحالية فشلت في إنجاز الاستحقاق.
- وأن هناك حاجة إلى «عملية سياسية موسعة».
- عبر ملتقى أو حوار سياسي جديد.
- يستند إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي لعام 2015.
وقد يشمل:
- شخصيات سياسية.
- بلديات.
- أحزاباً.
- مكونات اجتماعية.
- شباباً ونساءً.
- شخصيات اقتصادية وأكاديمية.
- شخصيات من سلطات الأمر الواقع.
المؤشرات الداعمة
- فشل مجلسي النواب والدولة.
- تركيز البعثة على «المشاركة الواسعة».
- تكرار الحديث عن الجمود السياسي الخطير.
- اتجاه البعثة منذ أشهر نحو مسارات متعددة بدلاً من المسار الثنائي التقليدي.
ما الذي قد تدعو إليه المبعوثة؟
- تشكيل هيئة أو منصة حوار وطني.
- الاتفاق على:
- حكومة موحدة.
- دستور مؤقت أو قاعدة دستورية انتقالية.
- إعادة هيكلة السلطة التنفيذية.
- جدول زمني انتخابي جديد.
المخاطر
- رفض مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
- تصعيد سياسي وإعلامي ضد البعثة.
- احتمال عرقلة التنفيذ ميدانياً.
السيناريو الثاني: منح مهلة جديدة لمسار 4+4
سيناريو محافظ
مضمون السيناريو
أن تعتبر المبعوثة أن:
- هناك «تقدماً نسبياً» في مسار 4+4.
- وأن البعثة ستمنح فرصة إضافية للمسار.
- مع تحديد سقف زمني جديد.
وقد يتضمن:
- تعديل قوانين الانتخابات.
- إعادة تشكيل المفوضية.
- ضمانات أمنية للعملية الانتخابية.
دوافع هذا السيناريو
- رغبة بعض القوى الدولية في تجنب صدام مباشر مع المؤسسات القائمة.
- وجود تفاهمات جزئية بين سلطات الأمر الواقع في الشرق والغرب.
- الخوف من انهيار التوازن الأمني.
نقاط الضعف
- إعادة تدوير الأزمة.
- إطالة المرحلة الانتقالية.
- بقاء الاحتكار السياسي لسلطات الأمر الواقع.
التأثير الاقتصادي
سيؤدي غالباً إلى:
- استمرار الإنفاق الموازي.
- غياب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.
- استمرار هشاشة سعر الصرف والسيولة.
- تعميق الاقتصاد الريعي.
السيناريو الثالث: خارطة طريق انتقالية شاملة
سيناريو التحول الكبير
مضمون السيناريو
أن تقدم المبعوثة تصوراً شبه متكامل يتضمن:
- سلطة تنفيذية جديدة.
- إعادة هيكلة المؤسسات.
- مجلساً تأسيسياً أو هيئة تأسيسية.
- مساراً دستورياً مؤقتاً.
- ترتيبات أمنية وعسكرية.
- انتخابات تدريجية.
العناصر المحتملة
سياسياً:
- تشكيل السلطة التنفيذية.
- إنهاء ازدواجية المؤسسات.
- إطلاق مصالحة وطنية.
أمنياً وعسكرياً:
- إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.
- دمج تدريجي للقوى المسلحة.
- توحيد الأجهزة الأمنية.
اقتصادياً:
- آلية جديدة لإدارة عوائد النفط.
- إصلاح مصرفي.
- شفافية مالية.
- رقابة مؤقتة على الإيرادات.
اجتماعياً:
- برامج مصالحة مجتمعية.
- معالجة التفاوت التنموي.
- توسيع الحكم المحلي.
فرص نجاحه
نجاح هذا السيناريو مرتبط بـ:
- توافق إقليمي.
- تفاهم دولي.
- قبول نسبي من سلطات الأمر الواقع.
السيناريو الرابع: استمرار الجمود مع تحذيرات أممية
سيناريو التعثر
مضمون السيناريو
أن تكتفي الإحاطة بـ:
- توصيف الأزمة.
- التحذير من الانقسام.
- الدعوة للتوافق.
- دون إطلاق مبادرة جديدة.
أسباب محتملة
- غياب توافق دولي.
- خشية البعثة من الفشل.
- استمرار الانقسام الدولي حول ليبيا.
النتائج المحتملة
- تصاعد الاحتقان الشعبي.
- توسع الانقسام المالي.
- تنامي اقتصاد الظل.
- زيادة هشاشة الوضع الأمني.
السيناريو الخامس: توسيع مسار «4+4» وتحويله إلى إطار سياسي أوسع
السيناريو المرجح
مضمون السيناريو
أن تعلن الممثلة الخاصة أن مسار «4+4» حقق قدراً من التقدم يسمح بالبناء عليه، لكنها تؤكد أن معالجة الأزمة الليبية تتطلب توسيع نطاق المشاركة وعدم حصرها في الأطراف الحالية.
وبالتالي قد تتجه البعثة إلى:
- توسيع عضوية لجنة «4+4».
- إشراك أطراف سياسية ومجتمعية إضافية.
- ربط مخرجات الحوار المهيكل بمسار «4+4».
- تحويل المسار من لجنة فنية محدودة إلى منصة سياسية وطنية أوسع.
الشكل المحتمل للتوسعة
قد تضم التوسعة ممثلين عن:
- الأحزاب السياسية.
- البلديات.
- المرأة والشباب.
- المكونات الثقافية والاجتماعية.
- خبراء قانونيين ودستوريين.
- شخصيات من سلطات الأمر الواقع.
- ممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
مع بقاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة طرفين رئيسيين داخل العملية السياسية.
المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو
1. حرص البعثة على تجنب الصدام مع المؤسسات القائمة
الأمم المتحدة تدرك أن تجاوز مجلسي النواب والدولة بشكل كامل قد يؤدي إلى رفض واسع للمبادرة الجديدة.
2. نتائج الحوار المهيكل
الحوار المهيكل وفر قاعدة واسعة من المشاركين والتوصيات التي يمكن دمجها داخل مسار موسع.
3. الرغبة الدولية في الحفاظ على الاستقرار
كثير من الأطراف الدولية تفضل تطوير الأطر القائمة بدلاً من هدمها والبدء من الصفر.
4. إمكانية تسويق المسار سياسياً
باعتباره تطويراً للمسار القائم، وليس إنشاء جسم جديد بالكامل.
5. صعوبة فرض خارطة طريق جذرية في الظروف الحالية
في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري وعدم وجود توافق دولي كامل.
ما الذي قد ينتجه هذا المسار؟
قد يتم تكليف المسار الموسع بالتوافق حول:
- القاعدة الدستورية المؤقتة.
- القوانين الانتخابية.
- تشكيل حكومة موحدة.
- توحيد المؤسسات السيادية.
- أولويات الإصلاح الاقتصادي.
- الترتيبات الأمنية المصاحبة للانتخابات.
ثالثاً: التقدير العام للوضع الليبي
الوضع السياسي
ليبيا تعيش أزمة «شرعية وهيكل دولة» أكثر من مجرد أزمة انتخابات.
المشكلة الرئيسية أصبحت:
- من يحكم؟
- وكيف تُدار الدولة؟
- وكيف توزع السلطة والتنمية؟
وليس فقط موعد الانتخابات.
الوضع الاقتصادي
رغم استمرار إنتاج النفط، فإن:
- الاقتصاد ما يزال ريعياً.
- والإنفاق العام غير منتج.
- والانقسام المؤسسي يعرقل التنمية.
- فيما تتراجع الطبقة الوسطى وتتوسع الفجوات الاجتماعية.
كما أن ملف:
- إدارة عوائد النفط.
- والإنفاق الموازي.
- والدين العام.
سيصبح جزءاً رئيسياً من أي تسوية سياسية قادمة.
الوضع الأمني والعسكري
رغم استمرار وقف إطلاق النار نسبياً، فإن:
- السلاح خارج الدولة.
- والانقسام العسكري قائم.
- والمؤسسات الأمنية غير موحدة.
- والجنوب الليبي هش أمنياً.
لكن يوجد إدراك متزايد أن أي تسوية سياسية لن تنجح دون:
- تسوية عسكرية تدريجية.
- وهيكلة أمنية وطنية.
الوضع الاجتماعي
- تآكل الثقة بالمؤسسات.
- إحباط واسع لدى الشعب.
- تصاعد الهجرة.
- وتراجع الخدمات.
وفي المقابل، توجد رغبة مجتمعية متزايدة في:
- الاستقرار.
- الدولة.
- والعدالة في التنمية.
م. أحمد حمدي السويحلي
عضو المكتب السياسي
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري