
لماذا تفشل القيادة الملهمة دون بطانة صالحة ناصحة؟
لماذا تفشل القيادة الملهمة دون بطانة صالحة ناصحة؟
لطالما حلُمت مجتمعاتنا العربية في أحلك لحظات أزماتها المتعددة وفي غياهب مراحلها الانتقالية الممتدة، بالقائد الملهم" أو "المُخلِّص". ذلك الرجل الاستثنائي الذي يحمل بين جنبيه حكمة الحكماء وشجاعة الثوار، فيأتي ليعيد الأمان والاستقرار و المجد الغابر. هذا "الحُلم" المشروع - الذي لا يُعَدُ غريباً في مجتمعاتٍ تعتمد في تركيبتها الاجتماعية "السوسيولوجية" على النموذج الأبوي - ظل لعقود طويلة في حد ذاته أحد أهم أزماتنا: إذ ترتب عليها نوع من الفكر الاتكالي وسلبية الفعل والفاعلية.
يتناول هذا المقال فكرة القائد المُخلِّص وإغواء السلطة؛ تلك المعضلة التي تحمل في طياتها مغالطة خطيرة تُغذي أزمات الحكم المتتالية. ونسأل؛ لماذا تفشل القيادة الملهمة دون بطانة صالحة ناصحة؟ كما نحاول فك تشابك عوامل الكاريزما الجماهيرية مع هشاشة المؤسسات والأنظمة؛ كما نطرح سؤال: هل يقودنا التعلق بالقائد الملهم إلى نتائج مفيدة أم إلى عثرات اكبر؟
: تعريف المعضلة
في قلب أزمة التيه التي تعيشها مجتمعاتنا؛ تكمن معضلة البحث عن القائد الملهم المخلّص، وهي تلك الظاهرة التي يختزل فيها الجمهور آماله وطموحاته في شخصية واحدة، ويعتمد في جُل قراراته المصيرية على الفرد المعصوم، منتظراً منه إخراج الأمة من أزماتها دون التركيز على أهمية من بناء مؤسسات قوية ونظم حكم رشيدة.
يتسم هذا النوع من القادة بـ:
- القدرة عالية على التأثير العاطفي والحشد الشعبي.
- وعود جذابة بحلول سريعة للأزمات.
- سلوك يميل إلى المركزية وتفرد القرار.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في البحث عن القائد الكفء، فالكفاءة والقدرة على الإلهام فضائل قيادية لا غنى عنها. لكن الخطر يكمن في تحويل هذا القائد إلى أسطورة منعزلة، تتمركز حوله كل السلطات وتُحجب عنه كل المثالب، فيصبح هو النظام في حد ذاته.
مخاطر الاعتماد على فكرة القائد المُخَلِّص:
أبرز المخاطر التي تصاحب الإيمان المفرط بالقائد كمنقذ ومُخَلِّصْ تكمن في:
- تقلص مساحة المشاركة الشعبية: حيث يتنازل الناس عن دورهم الفاعل باعتقاد أن القائد سيحقق كل مطالبهم. 1- هشاشة المؤسسات: إذ يتم بناء هرم السلطة على بشكل مقلوب، يرتكز فيه النظام حول شخصية واحدة، فتنهار المؤسسات وتعجز على الاستمرار عند رحيله ذلك الشخص لأي سببٍ كان؛ وقد يلجأ القائد وحاشيته إلى ابتزاز الشعب وتهديدهم بأن رحيله يعني انهيار كل شيء.
- عدم الاحتكام للقانون: فتحل مكان القوانين والإجراءات المنظمة، قرارات فردية تتجاوز القواعد والنظم، وتكون في معظم الأحيان قرارات اعتباطية عشوائية تتسبب في ارتدادات خطيرة على المدى المتوسط والطويل.
وتمثل تجربة زيمبابوي مثالاً واضح لتحوّل القائد البطل صاحب الشعبيّة الجارفة إلى مجرم تسبب في انهيار اقتصادي شامل؛ حيث أفضت ممارسات الانفراد بالقرارات و عشوائيتها إلى تقويض الاقتصاد وتفتيت قدرات الدولة، بعد أن تلاشت المؤسسات وأُحكمت سيطرة شخص واحد على كل مفاصل الحكم.
دروس من التاريخ:
يوجد لدينا الكثير من الدراسات التاريخية والسياسية المعاصرة التي تثبت أن ظاهرة القائد الملهم ليست جيدة في المطلق؛ في حين أننا نعترف بأهمية وجود القيادة والالتفاف حولها، ولكن السيطرة على التحولات النفسية المصاحبة لعملية الانفراد بالحكم والتأكيد على ضرورة صلاح وصراحة البطانة أمر شديد الأهمية؛ قد يفصل بين استدامة النجاح والفشل الذريع.
إن التاريخ العربي يحفل بنماذج لقادة ملهمين غيروا وجه العالم، من عمر بن الخطاب الذي أرسى دولة العدل، إلى صلاح الدين الأيوبي الذي وحَّد الصف. لكن القاسم المشترك بينهم لم يكن "العبقرية الفردية"، بل كان وجود بطانة مؤهلة، ناصحة، وقد تختلف معهم في بعض الأحيان. حيث كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول: "رحم الله امرءًا أهدى إلي عيوبي". لقد فهم هؤلاء القادة أن الرؤية الواحدة، حتى لو كانت عبقريّة، تظل قاصرة، وأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وفي العصر الحديث، نرى أن النموذج القائم على "الأب القائد" أو "الزعيم الملهم" الفرد المُفَدَّى قد أدى في كثيرٍ من الأحيان إلى كوارث جمى. فحينما يُحاط القائد ببطانة من "المُصفقين والمنتفعين"، يتحول القصر الرئاسي إلى غرفة صدى صوت لا يسمع فيها سوى صوت الرئيس وأصواتٌ تُرددُ ما يريد سماعه. تُقطع عنه الأخبار السيئة، تُزَيّف الحقائق، وتُقدَّم التقارير المزورة التي تُظهر الدولة وهي في قمة ازدهارها بينما هي على شفا الهاوية. هذه العزلة التكتيكية التي تصنعها البطانة الفاسدة هي التي تقود إلى قرارات كارثية، لأنها قرارات مبنية على معلومات مغلوطة وتقييم وهمي للواقع.
من العمل بالتعليمات إلى العمل المؤسسي :
أنا شخصياً ممن يؤمنون بأن القائد الفعلي هو الذي “يزرع الأفكار ويجنيها مشاريع”، أي أنه قد يبني المنظومة الفكرية، ويعمل على وضع النُظُم والإجراءات والقوانين، ويزرع القيم والدوافع الشخصية التي تستمر حتى بعد غيابه. ومن أبرز عوامل نجاح هذا النهج:
- توزيع الصلاحيات: تفويض السلطة إلى هيئات ومؤسسات مستقلة ووضع نظام واضح للمساءلة والمحاسبة.
- تعزيز المفاهيم القانونية: ربط كل قرار باللائحة والنظام وأهداف استراتيجية أو مرحلية واضحة وربها بمؤشرات أداء وأساليب مراجعة وتقييم موضوعية.
- تشجيع ثقافة المواطنة الفاعلة: إذ لا يغدو المواطن متلقياً سلبياً بل شريكاً في صناعة القرار.
إن البطانة الصالحة الناصحة ليست رفاهية بل ضرورة وجودية، هم ليسوا مجرد مستشارين. إنهم:
- مصدر المعلومات الصادقة: هم الجسر بين القائد والواقع، مهمتهم ليست تلميع الصورة بل نقل الحقيقة كما هي، بشفافية ووضوح، حتى لو كانت مرّة.
- حائط الصد أمام الإغراء: السلطة تغري، والبطانة الصالحة هي الضمير الجمعي الذي يذكر القائد بالمبادئ والأهداف الكبرى عندما يغرق في تفاصيل الصلاحيات والامتيازات.
- مستودع الكفاءات: القائد لا يمكن أن يكون خبيرًا في كل شيء. البطانة هي مجموعة الخبراء في الاقتصاد، الأمن، الاجتماع، الدبلوماسية، الذين يقدمون الخيارات المهنية بعيدًا عن المجاملة.
- ضمان الاستدامة: النظام القائم على مؤسسات يستمر حتى لو غاب القائد. أما النظام القائم على فرد واحد، فيسقط بزوال القائد مهما كانت أسباب زواله.
من أهم عوارض هذه الثقافة السلبية التي يجب رفضها وعدم الترويج لها في السياسة المعاصرة؛ أنها قد تؤدي إلى:
- العزوف عن العمل العام: انتظار اللحظة التي يفرضها القدر ويحل فيها القائد جميع المشاكل؛ او انتظار تعليمات القائد بالخصوص.
- ضعف المبادرات الذاتية: لأن الناس تُحجِز طاقاتها وتنتظر بدلاً من تأسيس مشاريع مجتمعية ملموسة.
وهنا نحذر من الانزلاق إلى هذا النمط السلبي، وندعوا إلى الجمع بين الأمل والعمل، أو ما يسمى بالأمل الفاعل بدلاً من الرهان على البطل الخارق الذي سيقوم بكل شيء. ويمكن تلخيص رسالتي الرئيسية إلى النقاط التالية:
1. لا يكفي للقيادة أن تُلهم الجماهير، بل يجب أن تعمل بجد على بناء مؤسسات مستدامة.
2. الكاريزما الشعبية وإن طال تأثيرها فهي قصيرة الأمد إذا لم تصاحِبها أطر قانونية وإدارية مرنة.
3. مشاركة المواطن ضرورة لا رفاهية، فهي الضمان الحقيقي لاستدامة نظام الحكم.
4. تعليق الأمل على القائد لا يعفينا من المسؤولية امام اجيال المستقبل؛ وواجبنا أن نعمل اليوم على وضع أسس استدامة الاستقرار الاقتصادي لمستقبل أبنائنا.
5. دعوة للتفكير والعمل؛ في حين أننا نُعجب أحياناً بأبطال اللحظة الحاسمة، علينا أن نتجاوز هذه اللحظة سريعاً ونركز أكثر على أهمية بناء الأنظمة والقوانين التي تحقق استدامة العمل المؤسسي بغض النظر عن الشخص الذي في موقع القيادة.
وفي الختام أطرح سؤالاً مهم:
كيف يمكننا أن نكون جزءاً من بناء مؤسسات قادرة على الصمود بعد رحيل أي قائد عظيم؟
دعونا نستيقظ من وهم الفرد المُنقِذ، ونضع تركيزنا اليوم على بناء مؤسسات قوية تخلّد أحلام القائد الملهم وأمانينا المنتظرة.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري