
بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: بين تعقيد المهمة وضرورة المراجعة
تابع كل مهموم بقضايا الوطن ومهتم بالشأن الليبي الإحاطة الأخيرة للسيدة هانا تِنينت، رئيسة بعثة الدعم الأممية في ليبيا (UNSMIL)، أمام مجلس الأمن، والتي طرحَت من خلالها ما أسمته "خارطة طريق" للعملية السياسية.
بيد أن القراءة المتأنية لمحتوى الإحاطة تكشف أنها تميل إلى الطابع الإداري أكثر من كونها استراتيجية شاملة، حيث لم تتضمن مقترحات جذرية للخروج من حالة الجمود التي استمرت لأكثر من عقد، وعاصرها 11 مبعوثًا أمميًا. يبدو أن البعثة الأممية أصبحت غارقة في تعقيدات بيروقراطية تُنتج تقارير وخطابات شكلية تبدو في كثير من الأحيان بعيدة عن الواقع المعاش وتطلعات الليبيين.
إشكالية التعامل مع الملف الليبي
لا يتمثل الإشكال في الإخفاق الوظيفي فحسب، بل في تحويل الحلول الوطنية، التي يُجمع عليها الكثير من الليبيين، إلى مجرد أداة للمناورة التفاوضية. فالمسار التأسيسي، الذي يعتبره العديد من السياسيين والخبراء المخرج الوحيد من نفق الأزمة، يتم التعامل معه وكأنه ورقة مساومة وليس حلًا استراتيجيًا. هذا النهج يثير تساؤلات حول مدى فهم البعثة للتعقيدات المحلية، ويدفع نحو التشكيك في نواياها.
منهجية قراءة الواقع: بين الاستماع والتوجيه
للأسف، اعتمدت البعثة في قراءتها للواقع على منهجيات مشكوك في مصداقيتها، مثل استفتاء إلكتروني غير واضح الآليات، ثم ضُخِّمت نتائجه لخدمة رواية محددة مسبقًا. وهذا يتناقض مع الاعتراف الصريح للمساعدة ستيفاني خوري بأن "الشعب الليبي يريد إنهاء المراحل الانتقالية إلى الأبد". ومع ذلك، تقدم البعثة خارطة طريق جديدة تمتد من 12 إلى 18 شهرًا، مليئة بنفس الإجراءات المتكررة: تشكيل حكومات، وإعادة هيكلة مجالس، وحوارات لا تنتهي. إنها إعادة إنتاج للأزمات السابقة تحت عناوين جديدة.
التناقض الواضح في الرؤية
بلغ التناقض ذروته عندما أشارت السيدة المبعوثة إلى فشل الانتخابات البلدية – وهي أبسط الاستحقاقات – بسبب عدم توفر البيئة المناسبة، ثم تدفع في ذات الوقت نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية معقدة في نفس البيئة غير المؤهلة. هذا ليس تفاؤلًا، بل يشير إلى خلل منهجي في التخطيط.
رؤية نحو حل حقيقي
الرسالة التي يجب أن تصل إلى الأمم المتحدة وبوضوح هي: ليبيا لم تعد تحتمل مزيدًا من المراحل الانتقالية، ولم تعد حقل تجارب للخطط الدولية. المخرج الوحيد يكمن في الاعتراف بالمسار التأسيسي كخيار استراتيجي، يسمح للشعب الليبي ببناء عقد اجتماعي جديد يحدد شكل الدولة وهوية مؤسساتها وآليات توزيع الثروات، ويُنهي حالة العبث السياسي والاقتصادي.
إذا كانت الأمم المتحدة جادة حقًا في مساعدة ليبيا، فعليها أن تراجع هذا النهج، وتتبنى مسارًا واضحًا يعطي الأولوية للإرادة الوطنية، ويساهم في إنقاذ الدولة الليبية من خطر الانهيار والانقسام، بدلًا من إطالة أمد الأزمة.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري