
عضو الهيئة العُليا وعضو المكتب السياسي بحزب السلام والازدهار
عضو الهيئة العُليا وعضو المكتب السياسي بحزب السلام والازدهار
=====================================================
في قاعة مجلس الأمن، حيث تُصنع الأزمات أحياناً وتُحل أحياناً أخرى، وقفت السيدة هانا تيتا ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، في الحادي والعشرين من أغسطس 2025م، لتقدم إحاطة كان مفترضاً بها أن تُضيء نفقاً مظلماً، فإذا بها تشعل نيراناً جديدة في شارع ليبي مُثقل بجراح الإنتظار وخيبات الأمل.
الغريب في الأمر أن السيدة تيتا بدأت إحاطتها بلمحة أمل، مُشيدة بنجاح الانتخابات البلدية في 26 بلدية، ومثنية على "تفاني" المفوضية الوطنية العُليا للإنتخابات.
لكنها سرعان ما كشفت عن الجرح الغائر، تعليق الإنتخابات في 16 بلدية بالشرق والجنوب بأمر من الحكومة المعينة من مجلس النواب، بعد أن سبق تعليقها في 11 بلدية أخرى في يوليو، بما فيها بنغازي وسبها وسرت وطبرق.
هنا تكمن المفارقة التي تختزل مأساة ليبيا، بعثة أممية تتحدث عن الديمقراطية بينما تقف عاجزة أمام سلطات الأمر الواقع التي تعلق الإنتخابات كما تشاء.
لقد قدمت تيتا وصفة متقنة بحسب رآيها، خارطة طريق من ثلاثة أركان (إطار إنتخابي، حكومة موحدة، حوار مهيكل) وجدول زمني يتراوح بين 12 و18 شهراً. لكنها كمن يصف دواءً لداء لم يتم تشخيصه بشكل صحيح.
القراءة المتعمقة لإحاطة تيتا تكشف عن مفارقة ثانية، إعترافها بالإحباط الليبي مع إصرارها على التعاون مع المؤسسات نفسها التي يرفضها الشعب، لقد سجلت الإحاطة أن 42% فقط من المستطلعة آراؤهم يفضلون خيار الإنتخابات في الإطار الحالي، بينما يطالب 24% بمجلس تأسيسي يحل محل المؤسسات القائمة، ومع ذلك، أصرت على أن العمل مع هذه المؤسسات الهشة هو "أسرع طريق ممكن"!
السؤال الذي يفرض نفسه، أي سرعة هذه التي تتحدث عنها البعثة والأمم المتحدة تعمل في ليبيا منذ 14 عاماً؟ عشرة مبعوثين و48 قراراً لمجلس الأمن والنتيجة فشل ذريع، إنسداد سياسي، واقتصاد ينهار، لقد أصبح صندوق الأمم المتحدة في ليبيا يشبه الصندوق الأسود للطائرات "يسجل الكوارث لكنه لا يمنعها".
التقرير نفسه يحوي تناقضاً صارخاً، فهو من ناحية يقرأ واقعاً مريراً - 20 حالة وفاة تحت الإحتجاز، إعادة قسرية للمهاجرين إلى السودان، أوضاع مزرية في الكفرة، إنقسام مؤسسي، وتدهور اقتصادي وأمني، ومن ناحية أخرى يقترح حلولاً تقنية كما لو كان يعالج دولة مستقرة ذات مؤسسات قائمة.
الخلاصة التي يرفضها الكثيرون في ليبيا هي أن البعثة الأممية تتعامل مع الأعراض وليس مع المرض، المرض الحقيقي هو أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة حكم، أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة إتفاق، الليبيون لم يعودوا يطالبون بإنتخابات فحسب، بل يطالبون بتأسيس دولة جديدة على أُسس مختلفة.
ما أدركته تيتا في إحاطتها لكنها لم تعالجه هو أن الشارع الليبي يرفض أن يكون مجرد متلقٍ للحلول الجاهزة، لقد أصبح واضحاً أن مبادرات البعثة "لا تُبنى على مشاورات وطنية جادة، بل تُفصل وفق صفقات ومصالح خارجية متعارضة".
الخيار الآن أصبح واضحاً، إما مسار تأسيسي حقيقي ينطلق من المُلكية الوطنية ويستجيب لصوت الليبيين، أو الإستمرار في متاهة الفشل، ليبيا لن تُدار بالصفقات المشبوهة أو الوعود الكاذبة، بل بإرادة أبنائها وحقهم غير القابل للتصرف في تقرير مصيرهم.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل سيكون صوت الشعب الليبي هو الأعلى، أم أن العالم سيكتفي مرة أخرى بمشاهدة إحتراق ليبيا من وراء النافذة؟
فقط الوقت كفيل بالإجابة، ولكن المؤكد أن صبر الليبيين قد أوشك على النفاد، والشعوب عندما تفقد صبرها، لا تسأل عن الثمن.
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري