
الدولة الحديثة هي، في جوهرها، دولة مؤسسات. ولا تقتصر المؤسسية على وجود حكومة وإدارة وقضاء ومؤسسات أمنية، بل تمتد إلى المجال السياسي نفسه؛ إلى الكيفية التي تُنظَّم بها المنافسة على السلطة، وتُعبَّر بها عن المصالح والاتجاهات المختلفة في المجتمع، وتُصاغ من خلالها البرامج والبدائل، و…
من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات
سبتمبر / 2026
مقدمة
الدولة الحديثة هي، في جوهرها، دولة مؤسسات. ولا تقتصر المؤسسية على وجود حكومة وإدارة وقضاء ومؤسسات أمنية، بل تمتد إلى المجال السياسي نفسه؛ إلى الكيفية التي تُنظَّم بها المنافسة على السلطة، وتُعبَّر بها عن المصالح والاتجاهات المختلفة في المجتمع، وتُصاغ من خلالها البرامج والبدائل، وتُحدد المسؤولية السياسية وتُمارس المساءلة.
وفي الدولة المدنية الديمقراطية، تمثل الأحزاب إحدى المؤسسات الرئيسية للعمل السياسي. فهي الإطار الذي يجمع المواطنين حول أفكار وبرامج، ويحول المواقف والمصالح المتفرقة إلى خيارات سياسية وطنية، ويقدم المرشحين للناخبين، ويسهم في تكوين الأغلبية والمعارضة، ويجعل التداول السلمي للسلطة عملية مؤسسية لا مجرد انتقال بين أشخاص أو تحالفات ظرفية.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش الدائر في ليبيا حول مشاركة الأحزاب في الانتخابات المقبلة لا ينبغي اختزاله في مفاضلة تقنية بين النظام الفردي ونظام القوائم، ولا في مواجهة بين الأحزاب والمستقلين. السؤال أعمق من ذلك: هل نريد بناء حياة سياسية مؤسسية تتنافس فيها الأحزاب بأسمائها وبرامجها وقوائمها، أم نستمر في إنتاج مؤسسات منتخبة تقوم أساساً على الأشخاص، ثم تتشكل داخلها التحالفات والكتل بعد الانتخابات على أسس لا يعرفها الناخب بالضرورة عند الإدلاء بصوته؟
وهنا ينبغي التمييز منذ البداية بين حق عضو الحزب في الترشح بصفته مواطناً، وحق الحزب في المشاركة بصفته مؤسسة سياسية. الأول حق فردي أصيل، أما الثاني فيتصل ببنية النظام السياسي ذاته. فوجود أعضاء منتمين إلى أحزاب داخل مجلس منتخب لا يعني أن الأحزاب ممثلة فيه؛ لأن التمثيل الحزبي يقتضي أن يتقدم الحزب إلى الناخبين باسمه وبرنامجه وقائمته، وأن يحصل على تفويض انتخابي يمكن قياسه ومحاسبته عليه.
وهذه ليست فكرة مستحدثة على الإطار الدستوري الليبي. فقد نص الإعلان الدستوري الصادر في 3 أغسطس 2011، في مادته الرابعة، على أن تعمل الدولة على إقامة نظام سياسي ديمقراطي مبني على التعددية السياسية والحزبية بهدف التداول السلمي الديمقراطي للسلطة. كما كفلت المادة الخامسة عشرة حرية تكوين الأحزاب السياسية. ودلالة المادة الرابعة تتجاوز مجرد السماح القانوني بإنشاء الأحزاب؛ إذ تضع التعددية الحزبية ضمن مقومات النظام السياسي الديمقراطي الذي تلتزم الدولة بالعمل على إقامته.
وعلى هذا الأساس تنطلق هذه الورقة من فكرة رئيسية مفادها أن بناء الدولة وبناء الحياة الحزبية ليسا مسارين متعارضين، ولا مرحلتين متعاقبتين ننجز الأولى ثم نؤجل الثانية إلى موعد لاحق. فمأسسة التنافس السياسي جزء من عملية بناء الدولة ذاتها، مثلما أن وجود قنوات سلمية ومنظمة للتنافس على السلطة يمثل أحد مقومات الاستقرار السياسي واستدامته.
أولاً: حياة حزبية لم تتح لها فرصة التراكم
يصعب الحكم على واقع الأحزاب الليبية اليوم بمعزل عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه. فالحياة الحزبية في ليبيا لم تعرف مساراً متصلاً يسمح للأحزاب بأن تتطور عبر دورات انتخابية متعاقبة، وتختبر برامجها وقياداتها، وتتعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها، وتندمج أو تتراجع أو تختفي وفقاً لحكم الناخبين عليها.
ففي العهد الملكي انتهت التجربة الحزبية في مرحلة مبكرة في أعقاب انتخابات فبراير 1952 والاضطرابات التي صاحبتها وما تلاها من إجراءات حظر النشاط الحزبي وإبعاد بشير السعداوي، زعيم حزب المؤتمر الوطني. ثم اتخذ إقصاء الأحزاب بعد سبتمبر 1969 صورة أكثر صرامة؛ إذ أصبح الاتحاد الاشتراكي العربي التنظيم السياسي الرسمي، ثم جاء القانون رقم (71) لسنة 1972 ليجعل الاتحاد الاشتراكي العربي «التنظيم الشعبي السياسي الوحيد»، ويجرّم الحزبية.
ولم يؤد غياب الأحزاب إلى غياب السياسة أو الحاجة إلى التنظيم السياسي. فقد انتقلت وظائف التعبئة وإنتاج القيادات والتأثير السياسي إلى أطر وتنظيمات أخرى، من بينها لاحقاً حركة اللجان الثورية، فضلاً عن الشبكات الشخصية والاجتماعية والمحلية. وهذه مسألة مهمة؛ لأن الحاجة إلى التنظيم السياسي لا تختفي بإلغاء الأحزاب، وإنما تتغير الأوعية التي تتحرك من خلالها.
وبعد عقود من الانقطاع، أعاد الإعلان الدستوري لسنة 2011 التعددية السياسية والحزبية إلى أساس النظام السياسي، ثم صدر القانون رقم (29) لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية. وقد عرّفت المادة الثانية الحزب بأنه تنظيم سياسي يهدف إلى المساهمة في الحياة السياسية وتحقيق برامج معلنة والمشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة وفق قانون الانتخابات العامة.
وهذا التعريف ذو دلالة سياسية وقانونية واضحة: الحزب في تصور المشرع الليبي ليس مجرد جمعية للتعبير عن الرأي، وإنما مؤسسة أُنشئت للمشاركة في الحياة السياسية والتنافس على مسؤوليات الحكم.
وفي هذا السياق، تمثل تجربة انتخابات المؤتمر الوطني العام سنة 2012 محطة لا ينبغي تجاوزها عند تقييم مسار الحياة الحزبية بعد التغيير. فقد اعتمد القانون رقم (4) لسنة 2012 نظاماً انتخابياً متوازياً جمع بين الانتخاب الفردي والتمثيل النسبي بالقوائم؛ فخُصص 120 مقعداً، أي 60% من مجموع مقاعد المؤتمر، للانتخاب وفق الانتخاب بالنظام الفردي، و80 مقعداً، أي 40%، للقوائم المغلقة التي تقدمها الكيانات السياسية. ومن المهم هنا التنبيه إلى أن القانون استخدم مفهوم «الكيان السياسي» بمعنى أوسع من الحزب وحده، فشمل التجمعات والائتلافات السياسية، ولذلك لا يصح وصف المقاعد الثمانين كلها بأنها حصة حزبية خالصة.
وقد أتاحت هذه الصيغة، رغم قصر التجربة والظروف الانتقالية المعقدة التي أحاطت بها، مساحة فعلية للتنافس المنظم على أساس القوائم والبرامج، إلى جانب التمثيل الفردي. كما أن المادة (7) من القانون قررت، بعد تخصيص المقاعد، أن المقاعد الناتجة عن القوائم تُعد للكيانات السياسية والقوائم المستقلة وليست للمرشحين، وهو تمييز قانوني مهم بين التفويض الممنوح للكيان السياسي والتفويض الفردي. ومن ثم، فإن تجربة المؤتمر الوطني العام تقدم سابقة ليبية مبكرة للجمع بين التمثيل الفردي والتمثيل السياسي المؤسسي، قبل الانتقال في انتخابات مجلس النواب سنة 2014 إلى النظام الفردي وحده.
ولا يعني استحضار هذه التجربة تجاهل الانتقادات التي وُجهت إلى أداء الأحزاب والكيانات السياسية داخل المؤتمر الوطني العام، ولا اعتبار أن وجود القوائم حال دون الاستقطاب أو أوجه القصور التي ظهرت خلال المرحلة الانتقالية. لكن تقييم تلك المرحلة يقتضي التمييز بين أداء الأحزاب والكيانات من جهة، وبين قيمة إتاحة المجال المؤسسي أمامها للتنافس وقياس أوزانها انتخابياً من جهة أخرى. فالتجربة، بما لها وما عليها، تمثل جزءاً من التراكم السياسي الليبي الذي ينبغي تحليله، لا تجاوزه، عند مناقشة موقع الأحزاب في أي نظام انتخابي مقبل.
ومن ثم، فإن ضعف التجربة الحزبية الليبية لا يمكن قراءته باعتباره دليلاً على فشل ممارسة حزبية طويلة ومستقرة. الأدق أن جزءاً مهماً من المشكلة يكمن في ضعف التراكم وانقطاعه. ونحن بذلك نحاكم تجربة حزبية على ضعف تراكمها، بينما يكشف التاريخ أن هذا التراكم نفسه انقطع مراراً طوال عقود.
ثانياً: وجود أعضاء الأحزاب لا يساوي تمثيل الأحزاب
من الحجج المتكررة في النقاش حول النظام الانتخابي القول إن اعتماد النظام الفردي لا يستبعد الأحزاب، لأن أعضاءها يستطيعون الترشح بصفتهم الفردية. وهذه الحجة تخلط بين حقين مختلفين: حق المواطن المنتمي إلى حزب في الترشح، وحق الحزب نفسه في المشاركة في المنافسة السياسية.
فعندما يترشح عضو الحزب فردياً، يتقدم إلى الناخبين باسمه ويحصل على المقعد بناءً على الأصوات التي مُنحت له شخصياً. وقد يستمر بعد انتخابه عضواً في حزبه أو متوافقاً معه سياسياً، لكن ذلك لا يغير مصدر التفويض الانتخابي للمقعد. فالصلة المؤسسية بين الحزب والمقعد من حيث مصدر التفويض والصفة التمثيلية تكون منقطعة؛ لأن الحزب لم يحصل على المقعد بأصوات مُنحت له بوصفه حزباً.
أما في نظام القوائم الحزبية، فإن الحزب يقدم قبل الانتخابات برنامجه ومرشحيه، ويطلب على هذا الأساس ثقة الناخبين. وعندما تتحول الأصوات التي يحصل عليها إلى مقاعد، يصبح مسؤولاً سياسياً عن اختياراته وعن أداء ممثليه، ويستطيع الناخب في الانتخابات التالية أن يقيم تجربته وأن يجدد ثقته به أو يحجبها عنه.
وهنا تكمن إحدى الوظائف الأساسية للتمثيل الحزبي. فالناخب لا يختار أشخاصاً فحسب، بل يستطيع أيضاً الاختيار بين برامج واتجاهات سياسية معلنة، ويعرف الجهة السياسية التي طلبت صوته، ومن ثم يستطيع مساءلتها عن كيفية استخدام التفويض الذي حصلت عليه.
ولهذا فإن وجود أشخاص ينتمون إلى أحزاب داخل البرلمان لا يساوي، من الناحية المؤسسية، وجود أحزاب ممثلة فيه بناءً على أصوات حصلت عليها بوصفها أحزاباً.
والقول إن أعضاء الأحزاب يستطيعون الترشح أفراداً لا يقدم، لذلك، بديلاً عن المشاركة الحزبية. فهذا الحق مكفول لهم باعتبارهم مواطنين، وليس منحة يمنحها النظام الانتخابي للأحزاب. أما التنافس الحزبي فيتحقق عندما تتنافس الأحزاب نفسها بأسمائها وبرامجها وقوائمها، وتتحمل المسؤولية السياسية عن نتائج هذا التنافس.
ثالثاً: تجربة 2014... فرضية اختبرتها ليبيا بالفعل
تكتسب انتخابات مجلس النواب سنة 2014 أهمية مركزية في هذا النقاش؛ لأن العودة إلى النظام الفردي لا تمثل خياراً جديداً لم تختبره ليبيا. فقد نصت المادة (12) من القانون رقم (10) لسنة 2014 على اعتماد النظام الانتخابي الفردي وفق نظام الصوت الواحد غير المتحول.
ومن ثم، فإن الحجة القائلة إن استبعاد القوائم الحزبية قد يساعد على تجاوز الانقسامات وبناء الاستقرار ليست فرضية نظرية يمكن مناقشتها بمعزل عن التجربة الليبية. لقد اختبرت ليبيا هذا النموذج بالفعل منذ سنة 2014.
ولا يصح، في المقابل، تحميل النظام الفردي وحده مسؤولية الانقسام السياسي والأمني الذي عرفته البلاد بعد ذلك؛ فالأزمة الليبية نتاج عوامل سياسية وأمنية واقتصادية ومؤسسية وإقليمية ودولية متشابكة. لكن هذه الحقيقة لا تعفي من تقييم النتائج السياسية والمؤسسية للنموذج الذي طُبق.
فبعد أكثر من اثني عشر عاماً، يصبح السؤال مشروعاً: ما النتائج المؤسسية التي قدمتها تجربة استبعاد القوائم الحزبية بما يبرر إعادة إنتاجها باعتبارها طريقاً إلى الاستقرار وتوحيد الدولة؟
لم يؤد النظام الفردي إلى اختفاء الانتماءات السياسية، ولم يمنع تشكل الكتل والتحالفات داخل مجلس النواب، كما لم يحول البرلمان إلى تجمع من الأفراد المستقلين عن الاصطفافات السياسية والاجتماعية. ما تغير أساساً هو أن هذه التحالفات لم تعد مرتبطة بالضرورة بتفويض حزبي وبرامج انتخابية معلنة حصلت على أصوات الناخبين قبل الانتخابات.
وهنا تكمن أهمية تجربة 2014 بالنسبة إلى موضوع هذه الورقة. فهي لا تثبت أن النظام الفردي سبب الأزمة، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم دليلاً عملياً يسند الافتراض بأن استبعاد الأحزاب من المنافسة المؤسسية ينتج، في ذاته، برلماناً أكثر استقراراً أو نظاماً سياسياً أكثر قدرة على إدارة الخلاف.
رابعاً: من قانون 10 لسنة 2014 إلى قانون 27 لسنة 2023... اختلاف في فلسفة التمثيل
يظهر الفرق بوضوح عند مقارنة قانون 2014 بالقانون رقم (27) لسنة 2023 بشأن انتخاب مجلس الأمة. فالقانون الأخير لم يلغ التمثيل الفردي، وإنما جمع بينه وبين التمثيل الحزبي.
وتنص المادة (13) على انتخاب 297 عضواً لمجلس النواب، منهم 152 عضواً بطريق القوائم المغلقة التي تقدمها الأحزاب وفق نظام التمثيل النسبي، و145 عضواً على أساس الترشح الفردي وفق نظام الفائز الأول. أي إن القوائم الحزبية تمثل نحو 51.2% من المقاعد، مقابل نحو 48.8% للمقاعد الفردية. والأهم أن المادة (15) تقرر صراحة، بعد تخصيص المقاعد للقوائم الفائزة، أن هذه المقاعد للأحزاب وليست للنواب.
وهذا النص يجسد بصورة قانونية الفارق الذي سبقت الإشارة إليه بين وجود عضو حزب داخل البرلمان ووجود الحزب نفسه ممثلاً فيه.
كما أن هذه الصيغة لا تقيم تعارضاً بين الأحزاب والمستقلين. فهي تترك مساحة واسعة للترشح الفردي والتمثيل المحلي، وفي الوقت نفسه تتيح للأحزاب أن تتنافس كمؤسسات سياسية. ومن ثم، فإن حماية حق المستقلين لا تستوجب إقصاء الأحزاب، مثلما أن تمكين الأحزاب من التنافس لا يقتضي إلغاء التمثيل الفردي.
المسألة هنا ليست مجرد نسب بين نوعين من المقاعد، بل تتعلق بفلسفة التمثيل السياسي: هل يقتصر البرلمان على تفويضات فردية منفصلة، أم يجمع بينها وبين تفويضات سياسية مؤسسية حصلت عليها أحزاب وفق برامج وقوائم معلنة؟
خامساً: الأحزاب لا تنضج في الانتظار
تتكرر في النقاش الليبي حجج مفادها أن الأحزاب ضعيفة، أو حديثة التجربة، أو غير ناضجة، وأن المجتمع لم يعتد بعد المنافسة الحزبية، أو أن المرحلة الراهنة لا تحتملها، ولذلك ينبغي الإبقاء على الأحزاب قانوناً مع تأجيل مشاركتها في الانتخابات إلى مرحلة لاحقة.
وقد تكون لبعض المخاوف المتعلقة بأداء الأحزاب أسباب تستحق النقاش، لكن تحويلها إلى مبرر مفتوح لتأجيل المشاركة الحزبية يواجه إشكالية واضحة: الأحزاب لا تنضج خارج السياسة ثم تدخل إليها بعد أن تصبح مؤسسات مكتملة؛ وإنما تنضج من خلال الممارسة.
فالانتخابات هي التي تختبر البرامج والقيادات، والفوز والخسارة هما اللذان يكشفان قدرة الحزب على التواصل مع المجتمع، والعمل البرلماني يختبر قدرته على تحمل المسؤولية، وتكرار الدورات الانتخابية يدفع الأحزاب إلى مراجعة أدائها وتجديد قياداتها أو الاندماج مع قوى أخرى عندما يتبين ضعف قدرتها على الاستمرار منفردة.
أما تعليق الممارسة إلى أن تنضج الأحزاب، فإنه قد ينتج دائرة مغلقة: تُستبعد الأحزاب لأنها ضعيفة، ويستمر ضعفها بسبب محدودية الممارسة، ثم يُستخدم استمرار هذا الضعف مبرراً لمزيد من التأجيل.
ولا يكفي هنا القول إن الأحزاب لن تُلغى، وإنما ستبقى قائمة إلى أن يحين الوقت المناسب لمشاركتها. فالحزب السياسي لا يُنشأ لمجرد الوجود القانوني؛ وقد عرفه القانون الليبي نفسه بوصفه تنظيماً يسعى إلى المشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة.
ولعل المفارقة تشبه، على سبيل التقريب، الدعوة إلى إقامة دوري لكرة القدم من دون السماح للأندية بالمنافسة، مع القول إن اللاعبين يستطيعون المشاركة فرادى. فوجود اللاعبين لا يعوض وجود الأندية بوصفها مؤسسات تنتظم من خلالها المنافسة، مثلما أن وجود مواطنين ذوي انتماءات حزبية لا يعوض مشاركة الأحزاب نفسها في المجال الذي أنشئت من أجله.
ومن هنا فإن معالجة ضعف الأحزاب ينبغي أن تتجه إلى إصلاحها وتقوية قواعد عملها وشفافيتها وديمقراطيتها الداخلية وصلتها بالمجتمع، لا إلى تعليق وظيفتها السياسية الأساسية.
سادساً: مسؤولية الدولة عن البيئة التي تتطور فيها الحياة الحزبية
لا تتحمل الدولة وحدها مسؤولية ضعف الأحزاب الليبية. فالأحزاب نفسها مسؤولة عن تطوير بنيتها الداخلية، وإنتاج برامج قابلة للتطبيق، وتجديد قياداتها، وتعزيز الديمقراطية والشفافية داخلها، وبناء حضور مجتمعي يتجاوز المواسم الانتخابية.
لكن من غير الدقيق أيضاً تقييم التجربة الحزبية بمعزل عن البيئة القانونية والمؤسسية التي عملت فيها.
فالإعلان الدستوري لم يكتفِ بإباحة تأسيس الأحزاب، وإنما ألزم الدولة بالعمل على إقامة نظام سياسي ديمقراطي مبني على التعددية السياسية والحزبية. ثم جاء القانون رقم (29) لسنة 2012 لينظم الأحزاب ويحدد وظائفها، ونص في مادته العشرين على أن تدعم الدولة الأحزاب السياسية المرخص لها. وقرر توزيع 50% من الدعم بالتساوي بين الأحزاب المسجلة، وتوزيع النصف الآخر بحسب نسبة الأصوات التي يحصل عليها كل حزب، بشرط ألا تقل عن 3%، مع النص على رصد المبلغ الإجمالي لهذا الدعم في الميزانية العامة للدولة.
وينبغي هنا التمييز بدقة بين هذه النسبة وبين العتبة الانتخابية. فنسبة 3% في المادة (20) عتبة مرتبطة بتوزيع جزء من التمويل العام وليست شرطاً لدخول البرلمان. لكن دلالتها مهمة؛ لأنها تكشف أن المشرع الليبي ميز بين حق الحزب في الوجود القانوني وبين وزنه الشعبي الذي تقيسه أصوات الناخبين، ورتب على هذا الوزن أثراً مالياً محدداً.
وفي الواقع العملي، لم يُفعّل التمويل العام للأحزاب بالصورة التي رسمتها المادة (20)، كما أن تطبيق الجزء المرتبط بنسبة الأصوات يحتاج بطبيعته إلى انتخابات تتنافس فيها الأحزاب بصفتها الحزبية حتى يمكن قياس هذه النسبة. ومنذ انتخابات مجلس النواب سنة 2014 لم تشهد ليبيا انتخابات برلمانية عامة جديدة تتنافس فيها الأحزاب بقوائمها، بما يسمح بتراكم التجربة وفرز أوزانها بصورة دورية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: لا يمكن للدولة أن تعطل بعض الشروط القانونية والمؤسسية اللازمة لتطور الحياة الحزبية، ثم يُستخدم ضعف هذه الحياة نفسها دليلاً على أن الأحزاب لم تنضج بعد وأن مشاركتها ينبغي أن تؤجل.
وهذا لا يعفي الأحزاب من مسؤوليتها، لكنه يضع تقييم التجربة في سياق أكثر إنصافاً ودقة. فالنضج المؤسسي نتاج تفاعل بين أداء المؤسسة من الداخل والبيئة القانونية والسياسية التي تعمل فيها.
سابعاً: كثرة الأحزاب... الانتخابات هي التي تفرزها
تُساق كثرة عدد الأحزاب حجة أخرى لتبرير التحفظ على التمثيل الحزبي، ويقال إن دخول عدد كبير من الأحزاب إلى البرلمان قد يؤدي إلى التشتت ويصعب تكوين أغلبيات مستقرة.
والتخوف من التفتت البرلماني مشروع من حيث المبدأ، لكنه لا يقود بالضرورة إلى استبعاد الأحزاب. فالخطأ يبدأ عند الخلط بين عدد الأحزاب المسجلة قانوناً وبين عدد الأحزاب القادرة فعلياً على الحصول على ثقة الناخبين والتمثيل البرلماني.
كما أن كثرة الأحزاب المسجلة ليست ظاهرة ليبية استثنائية. ففي المملكة المتحدة، التي يشيع اختزال نظامها السياسي في وجود حزبين، أعلنت لجنة الانتخابات الرسمية أن عدد الأحزاب السياسية المسجلة في بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية بلغ 402 حزباً في الربع الثاني من سنة 2026.
وهذا يوضح أن وجود عدد كبير من الأحزاب قانوناً لا يعني أن العدد نفسه يتحول إلى قوى برلمانية فاعلة. المنافسة الانتخابية هي التي تفرز الأحزاب: بعضها ينجح ويتوسع، وبعضها يتراجع، وبعضها يندمج أو يتحالف مع قوى قريبة منه، وبعضها يختفي عندما يتبين أنه لا يمتلك قاعدة شعبية حقيقية.
ولهذا فإن القول بضرورة تقليص عدد الأحزاب قبل السماح لها بالمنافسة يقلب المسألة رأساً على عقب. فلا يمكن أن نطالب بفرز الأحزاب وفق وزنها الشعبي، ثم نحرمها من المجال الذي يسمح بقياس هذا الوزن أصلاً.
الانتخابات ليست فقط وسيلة لاختيار النواب؛ إنها أيضاً إحدى أهم آليات فرز القوى السياسية نفسها.
ثامناً: العتبة الانتخابية... معالجة التشتت لا إلغاء التعددية
إذا كان الاعتراض الحقيقي هو احتمال دخول عدد كبير من الأحزاب الصغيرة إلى البرلمان، فإن النظم الانتخابية المقارنة طورت أدوات لمعالجة هذه المشكلة من داخل النظام التعددي نفسه، وفي مقدمتها العتبة الانتخابية.
فالعتبة تحدد حداً أدنى من التأييد ينبغي أن يحصل عليه الحزب حتى يشارك في توزيع المقاعد. وهي بذلك لا تمنعه من الوجود أو العمل أو خوض الانتخابات، وإنما تجعل التمثيل البرلماني مرتبطاً بحد أدنى من الوزن الشعبي.
والأداة واحدة من حيث المبدأ، وإن اختلفت النسب والتصميمات وفق ظروف كل دولة. ففي ألمانيا تبلغ العتبة في انتخابات البوندستاغ 5% من الأصوات الثانية على المستوى الاتحادي، مع الوضع القانوني الخاص الناتج عن حكم المحكمة الدستورية الاتحادية لسنة 2024 بشأن الأحزاب التي تفوز بثلاث دوائر مباشرة. ويبين البوندستاغ أن الغرض من عتبة الخمسة في المائة هو الحد من تفتت البرلمان إلى مجموعات صغيرة بما يحمي قدرته على العمل.
وفي نيوزيلندا يحتاج الحزب إلى الحصول على 5% من أصوات الأحزاب أو الفوز بمقعد دائرة انتخابية حتى يدخل في توزيع المقاعد الحزبية. وفي السويد تبلغ العتبة العامة 4% من الأصوات على المستوى الوطني، مع إمكان مشاركة الحزب في توزيع المقاعد الثابتة داخل دائرة معينة إذا حصل فيها على 12% من الأصوات.
وتقدم بولندا مثالاً آخر على مرونة الأداة نفسها؛ إذ يشترط قانونها الانتخابي حصول القائمة الحزبية على 5% من الأصوات على المستوى الوطني للمشاركة في توزيع مقاعد مجلس النواب، بينما ترتفع العتبة إلى 8% بالنسبة إلى الائتلافات الانتخابية، مع استثناءات خاصة بالأقليات القومية.
ولا تكمن أهمية هذه الأمثلة في الدعوة إلى نقل نسبة معينة إلى ليبيا. فالعتبة الملائمة ينبغي أن تُدرس في ضوء حجم الدوائر وعدد المقاعد وطريقة احتساب الأصوات ومستوى التعدد السياسي، كما أن رفعها أكثر من اللازم قد يؤدي إلى إهدار نسبة معتبرة من أصوات الناخبين.
لكن الدرس المقارن واضح: الديمقراطيات لا تعالج مشكلة كثرة الأحزاب بإخراج الأحزاب من المنافسة، وإنما تضع قواعد تسمح للناخب بفرزها وتحد في الوقت نفسه من التشتت البرلماني المفرط.
وهذا يجعل فكرة العتبة الانتخابية جديرة بالنقاش في الحالة الليبية إذا كان التخوف الحقيقي هو تفتت التمثيل، بدلاً من الانتقال من وجود مشكلة قابلة للمعالجة داخل النظام الحزبي إلى إقصاء التمثيل الحزبي نفسه.
تاسعاً: استبعاد الأحزاب لا يلغي السياسة... بل قد يعيدها إلى حواضن أخرى
استبعاد الأحزاب من المنافسة لا يعني اختفاء السياسة أو المصالح أو الصراع على السلطة. فالمرشح الفرد يحتاج هو الآخر إلى قاعدة اجتماعية وسياسية ومالية تساعده على الوصول إلى البرلمان.
وعندما تضعف الأطر السياسية المؤسسية، قد تنتقل بعض وظائف التعبئة والتنظيم إلى العائلة أو القبيلة أو المدينة أو الجهة أو شبكات المصالح والنفوذ.
ولا يعني ذلك أن القبيلة أو المدينة أو الانتماء المحلي ظواهر سلبية في ذاتها؛ فهي مكونات حقيقية في المجتمع الليبي ولها وظائف اجتماعية لا يمكن تجاهلها. الإشكالية تبدأ عندما تصبح هذه الروابط هي الحاضنة الرئيسية لإنتاج التمثيل السياسي بدلاً من أن تتجمع المصالح والاتجاهات المختلفة أيضاً داخل مؤسسات سياسية وطنية.
فالاختلاف حول الاقتصاد أو الحكم المحلي أو توزيع الموارد أو التعليم أو السياسة الخارجية يمكن أن يتحول، في ظل حياة حزبية مؤسسية، إلى تنافس بين برامج سياسية يختار الناخب بينها. أما عندما يتداخل التنافس على السلطة بصورة متزايدة مع القبيلة أو المدينة أو الجهة، فإن الخلاف السياسي يصبح أكثر قابلية للتماهي مع انقسامات اجتماعية وجغرافية يصعب تجاوزها بمجرد انتهاء الانتخابات.
ومن هنا تبرز إحدى الوظائف التي يمكن أن تؤديها الأحزاب الوطنية: جمع مواطنين من مدن ومناطق ومكونات اجتماعية مختلفة حول برامج ومصالح سياسية مشتركة، ونقل جانب من المنافسة من الشخص والهوية المحلية إلى البرنامج والمؤسسة.
ولا يعني ذلك أن مجرد تسمية تنظيم ما «حزباً» تجعله وطنياً أو مؤسسياً؛ فقد يكون الحزب نفسه شخصياً أو جهوياً أو ضعيف البنية. لكن معالجة هذه الاختلالات تكون بتطوير قواعد العمل الحزبي وتعريض الأحزاب لاختبار الناخبين، لا بإغلاق المجال المؤسسي أمامها والعودة بالتنافس إلى الأطر الأقل قابلية للمساءلة السياسية.
عاشراً: «بناء الدولة أولاً»... هل يستقيم فصل الدولة عن مؤسسات السياسة؟
من أكثر الحجج حضوراً القول إن ليبيا ما زالت في حالة صراع وانقسام، وإن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد الدولة وبناء مؤسساتها وتحقيق الاستقرار، وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى حياة حزبية كاملة.
وقد تبدو هذه الحجة منطقية للوهلة الأولى، لكنها تقوم على افتراض أن بناء الدولة وبناء المؤسسات السياسية عمليتان متعاقبتان: تكتمل الدولة أولاً، ثم تبدأ السياسة المؤسسية بعد ذلك.
غير أن الدولة لا تكتمل أولاً ثم تبدأ السياسة. السياسة نفسها إحدى الوسائل التي تُبنى بها الدولة.
فالدولة الخارجة من الصراع تحتاج بالتأكيد إلى توحيد مؤسساتها التنفيذية والأمنية والقضائية والمالية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى آليات يستطيع المختلفون من خلالها التنافس على السلطة سلمياً. والأحزاب والانتخابات والبرلمان والمعارضة والمساءلة ليست إضافات تجميلية تأتي بعد انتهاء عملية البناء؛ إنها جزء من البنية التي تحدد كيف تُمارس السلطة وكيف تنتقل وكيف يُدار الاختلاف حولها.
كما أن التاريخ المقارن لا يقدم قاعدة مفادها أن الدول الخارجة من الحروب والصراعات تستبعد الأحزاب إلى أن تستقر. ففي عدد من تجارب إعادة بناء النظم السياسية، كان تنظيم التعددية والمنافسة الحزبية جزءاً من بناء النظام الجديد، لا مرحلة مؤجلة إلى ما بعد اكتماله.
ومن هنا ينبغي قلب السؤال: بدلاً من أن نسأل فقط متى تصبح ليبيا مستقرة بما يكفي للسماح بالمنافسة الحزبية، ينبغي أن نسأل أيضاً: كيف يصبح الاستقرار مستداماً إذا لم نبنِ المؤسسات التي تسمح بإدارة التنافس السياسي سلمياً؟
إن تأجيل السياسة المؤسسية لا يلغي الصراع السياسي؛ بل قد يتركه يتحرك عبر الأشخاص ومراكز القوة والتحالفات غير المستقرة. أما تحويله إلى تنافس على البرامج والتفويض الشعبي، فيوفر إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد على إدارة الاختلاف داخل الدولة بدلاً من إدارته خارج مؤسساتها.
حادي عشر: ماذا تقول التجارب المقارنة؟
ينبغي التعامل مع المقارنة الدولية بحذر؛ فلا توجد تجربة يمكن نقلها آلياً إلى ليبيا، ولا يمكن رد نجاح دولة أو استقرارها إلى نظام انتخابي واحد. لكن المقارنة مفيدة في اختبار الحجة التي تقول إن بناء الدولة والاستقرار يقتضيان تأجيل الأحزاب.
ففي ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، جرى بناء النظام الديمقراطي الجديد بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، وأصبحت الأحزاب جزءاً أساسياً من النظام السياسي منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية. ويجمع النظام الانتخابي الألماني بين التمثيل المرتبط بالدوائر والتمثيل الحزبي، فيما تحدد الأصوات الثانية القوة النسبية للأحزاب في البوندستاغ.
وفي جنوب أفريقيا، جاءت انتخابات 1994 في سياق انتقال سياسي بالغ التعقيد بعد عقود من الفصل العنصري والصراع، ولم يُنظر إلى التعدد الحزبي بوصفه مسألة ينبغي تأجيلها إلى ما بعد استقرار النظام الجديد؛ بل كان التمثيل الحزبي جزءاً من ترتيبات الانتقال وبناء المؤسسات الجديدة.
وتقدم ناميبيا، في سياق الاستقلال والخروج من صراع طويل، دلالة قريبة من ذلك؛ إذ تزامن بناء مؤسسات الدولة الجديدة مع بناء نظام تعددي تشارك فيه الأحزاب وتتنافس على التمثيل السياسي. كما عادت سيراليون، بعد حرب أهلية مدمرة، إلى التنافس متعدد الأحزاب بدلاً من تعليق الحياة الحزبية إلى حين اكتمال إعادة بناء الدولة.
ولا تثبت هذه الأمثلة أن القوائم الحزبية وحدها تنتج الاستقرار، ولا أن على ليبيا استنساخ نظم هذه الدول. الدلالة الأكثر تواضعاً، والأكثر صلة بموضوع الورقة، هي أن بناء مؤسسات الدولة وبناء مؤسسات المنافسة السياسية لم يُعاملا بالضرورة باعتبارهما مرحلتين منفصلتين زمنياً.
وهذا هو جوهر الاستفادة من المقارنة: ليست هناك قاعدة تقول إن الدولة يجب أن تُبنى أولاً ثم تبدأ الحياة الحزبية. بل إن تنظيم التنافس السياسي داخل مؤسسات وقواعد معلومة كان، في تجارب عديدة، جزءاً من بناء النظام السياسي نفسه.
ثاني عشر: من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات
يعود النقاش في النهاية إلى السؤال الذي ينبغي أن يبقى ناظماً لهذه الورقة: أي نوع من الدولة والحياة السياسية نريد أن نبني في ليبيا؟
الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة لا تعني فقط وجود مؤسسات تحمل أسماء رسمية، وإنما أن تنتظم ممارسة السلطة داخل قواعد ومؤسسات تستطيع الاستمرار رغم تغير الأشخاص.
وهذا المبدأ ينبغي أن يمتد إلى المجال السياسي. فالمؤسسات السياسية لا تلغي دور الفرد والقيادة؛ لكنها تضع الشخص داخل برنامج وقواعد ومسؤولية سياسية يمكن تتبعها ومحاسبتها.
وعندما تدخل الأحزاب الانتخابات بأسمائها وبرامجها وقوائمها، يصبح من الممكن معرفة من طلب التفويض، وعلى أي أساس طلبه، ومن يتحمل المسؤولية عن استخدامه. ومع تكرار الانتخابات، يستطيع المواطن أن يقارن بين الأداء والوعود، وأن يعاقب الحزب الذي أخفق ويمنح ثقته لبديل آخر.
أما عندما يقوم التمثيل أساساً على الأشخاص، فقد يعرف الناخب المرشح الذي انتخبه، لكنه لا يعرف بالضرورة قبل الانتخابات طبيعة الكتلة التي سينضم إليها، ولا التحالفات التي سيقيمها، ولا البرنامج الذي ستتبناه تلك التحالفات بعد تشكيلها. وهنا تصبح المساءلة السياسية أكثر تعقيداً، ويصبح الانتقال من إرادة الناخب إلى سياسات عامة واضحة أقل مباشرة.
ومن هذه الزاوية، فإن الدفاع عن القوائم الحزبية ليس دفاعاً عن القوائم باعتبارها تقنية انتخابية، ولا مطالبة بحصة خاصة للأحزاب. إنه دفاع عن وجود الأحزاب كمؤسسات سياسية تستطيع أن تتنافس أمام المواطنين ببرامجها، وأن تقيس وزنها بالصندوق، وأن تتحمل مسؤولية التفويض الذي تحصل عليه.
كما أن الدفاع عن هذا الوجود لا يقتضي استبعاد المستقلين. فالتمثيل الفردي يمكن أن يظل جزءاً من النظام، كما فعل القانون رقم (27) لسنة 2023. المسألة هي ألا يتحول حق الفرد في الترشح إلى ذريعة لنفي حق المؤسسة السياسية في التنافس.
الخاتمة
تكشف التجربة الليبية أن المشكلة ليست في حياة حزبية مارست دورها بصورة مستقرة لعقود ثم ثبت عجزها عن أداء وظائفها، وإنما في حياة حزبية عانت تاريخياً من الانقطاع، ثم عادت بعد 2011 إلى بيئة انتقالية مضطربة. وقد أتاحت انتخابات المؤتمر الوطني العام سنة 2012 تجربة مختلطة جمعت بين 120 مقعداً فردياً و80 مقعداً للقوائم التي تقدمها الكيانات السياسية، قبل أن تعتمد انتخابات مجلس النواب سنة 2014 النظام الفردي وتغيب القوائم الحزبية عن الانتخابات البرلمانية. ومن ثم، فإن تقييم التجربة الحزبية بعد 2011 ينبغي أن يستوعب تجربة المؤتمر الوطني العام بما لها وما عليها، لا أن يقفز مباشرة من عودة التعددية إلى تجربة 2014.
ومن ثم، فإن الاحتجاج بضعف الأحزاب يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق. فالأحزاب تتحمل بلا شك مسؤولية تطوير بنيتها وقياداتها وبرامجها وشفافيتها وصلتها بالمجتمع، لكن النضج الحزبي لا يتحقق في الفراغ. إنه يحتاج إلى ممارسة متراكمة، وانتخابات دورية، وفوز وخسارة، ومساءلة وتجديد واندماج وفرز مستمر من جانب الناخبين.
كما أن القول إن أعضاء الأحزاب يستطيعون الترشح أفراداً لا يحل المسألة؛ لأن حق عضو الحزب في الترشح هو حق مواطنة، بينما التمثيل الحزبي يتعلق بحق المؤسسة السياسية في أن تتقدم إلى الناخب باسمها وبرنامجها وقائمتها. وجود أشخاص ينتمون إلى أحزاب داخل البرلمان لا يساوي وجود أحزاب ممثلة فيه بناءً على أصوات حصلت عليها بوصفها أحزاباً.
وتجربة 2014 ينبغي أن تكون حاضرة عند تقييم أي دعوة للعودة إلى النظام الفردي. فلا يصح تحميل ذلك النظام وحده مسؤولية ما عرفته البلاد من انقسام وصراع، لكن لا يصح أيضاً تقديم العودة إليه باعتبارها طريقاً إلى الاستقرار من دون بيان ما قدمته تجربته الممتدة لأكثر من عقد من نتائج تسند هذا الافتراض.
أما كثرة الأحزاب، فهي مشكلة يمكن أن تكون حقيقية عندما تتحول إلى تفتت برلماني مفرط، لكنها لا تستلزم إقصاء التعددية. فالانتخابات هي التي تفرز الأحزاب، والعتبة الانتخابية إحدى الأدوات المعروفة للحد من التشتت، والتحالف والاندماج آليتان طبيعيتان تدفع إليهما المنافسة. ولا يمكن مطالبة الأحزاب بإثبات وزنها الشعبي، ثم حرمانها من المجال الذي يسمح بقياس هذا الوزن أصلاً.
ويكتسب هذا الأمر دلالة إضافية في ضوء القانون رقم (29) لسنة 2012، الذي لم يكتفِ بالاعتراف بالأحزاب، بل عرفها بوصفها مؤسسات للمشاركة في مسؤوليات الحكم وتداول السلطة، ونص على دعمها مالياً وربط نصف ذلك الدعم جزئياً بالوزن الذي تحققه في أصوات الناخبين. ومع ذلك، لم تُفعّل هذه البيئة القانونية والمؤسسية بالصورة التي تسمح بتراكم تجربة حزبية منتظمة.
والأهم أن استبعاد الأحزاب لا يلغي السياسة ولا الصراع على السلطة. فقد تنتقل وظائف التنظيم والتعبئة من الأحزاب إلى الأشخاص والقبيلة والمدينة والجهة وشبكات المصالح والنفوذ. وهنا لا نكون قد تجاوزنا السياسة، وإنما نقلنا جانباً منها من المؤسسات التي يمكن تنظيمها ومساءلتها إلى حواضن أقل ارتباطاً بالبرامج الوطنية.
لذلك فإن مقولة «نبني الدولة أولاً ثم نبني الحياة الحزبية» تحتاج إلى مراجعة في أساسها. فالدولة الحديثة دولة مؤسسات، والعمل السياسي في الدولة الديمقراطية يحتاج هو الآخر إلى مؤسسات. والاستقرار المستدام لا يقوم فقط على إنهاء الصراع أو توحيد المؤسسات التنفيذية، بل يحتاج كذلك إلى قواعد تسمح بإدارة الاختلاف والتنافس على السلطة سلمياً.
إن بناء حياة حزبية وطنية وديمقراطية ومؤسسية ليس مهمة مؤجلة إلى اليوم التالي لبناء الدولة؛ بل هو أحد مسارات بناء الدولة ذاتها. والمطلوب ليس حماية الأحزاب من المنافسة أو ضمان بقائها، وإنما العكس تماماً: فتح المجال أمامها للمنافسة، وإخضاعها لحكم الناخبين، وترك الممارسة الديمقراطية تفرز القادر منها على الاستمرار من العاجز عنه.
وهكذا يصبح الانتقال المطلوب أعمق من الاختيار بين نظام فردي ونظام قوائم. إنه انتقال من سياسة يغلب عليها حضور الأشخاص والعلاقات المتغيرة، إلى سياسة تنتظم بصورة أكبر حول البرامج والمؤسسات والمسؤولية والمحاسبة.
وإذا كانت الغاية هي بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، فإن بناء مؤسساتها السياسية لا يمكن أن يبقى مؤجلاً إلى أن تكتمل الدولة؛ لأن الدولة نفسها لا تكتمل من دونها.
الهوامش والمراجع
1. الإعلان الدستوري الليبي الصادر في 3 أغسطس 2011، ولا سيما المادتان (4) و(15). تنص المادة (4) على التزام الدولة بالعمل على إقامة نظام سياسي ديمقراطي قائم على التعددية السياسية والحزبية بهدف التداول السلمي الديمقراطي للسلطة.
2. القانون رقم (29) لسنة 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، ولا سيما المادة (2) بشأن تعريف الحزب وأهدافه، والمادة (20) بشأن الدعم العام للأحزاب.
3. القانون رقم (10) لسنة 2014 بشأن انتخاب مجلس النواب في المرحلة الانتقالية، ولا سيما المادة (12) التي اعتمدت النظام الانتخابي الفردي وفق نظام الصوت الواحد غير المتحول.
4. القانون رقم (27) لسنة 2023 بشأن انتخاب مجلس الأمة، ولا سيما المادتان (13) و(15): 152 مقعداً بالقوائم الحزبية المغلقة وفق التمثيل النسبي و145 مقعداً بالترشح الفردي، مع تقرير المادة (15) أن المقاعد المخصصة بعد فوز القوائم تعد للأحزاب وليست للنواب.
5. لجنة الانتخابات البريطانية، بيانات الربع الثاني لسنة 2026، التي أفادت بوجود 402 حزب سياسي مسجل في بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية خلال تلك الفترة.
6. البوندستاغ الألماني والمفوّضة الاتحادية للانتخابات، بشأن نظام التمثيل والعتبة الانتخابية البالغة 5% للأصوات الثانية، والوضع الانتقالي المتعلق بقاعدة المقاعد المباشرة الثلاثة بعد حكم المحكمة الدستورية الاتحادية في 30 يوليو 2024.
7. لجنة الانتخابات النيوزيلندية، بشأن نظام التمثيل النسبي المختلط واشتراط حصول الحزب على 5% من أصوات الأحزاب أو الفوز بمقعد انتخابي للمشاركة في توزيع المقاعد.
8. هيئة الانتخابات السويدية، بشأن عتبة 4% على المستوى الوطني لانتخابات البرلمان، والاستثناء الخاص بالحصول على 12% في دائرة انتخابية للمشاركة في توزيع المقاعد الثابتة فيها.
9. قانون الانتخابات البولندي، المادة (196)، بشأن عتبة 5% للقوائم الانتخابية و8% لقوائم الائتلافات في انتخابات مجلس النواب، مع الأحكام الخاصة بالأقليات القومية.
10. القانون رقم (4) لسنة 2012 بشأن انتخاب المؤتمر الوطني العام، بوصفه إحدى التجارب الليبية المبكرة بعد 2011 في الجمع بين المرشحين والكيانات السياسية داخل العملية الانتخابية .




عبد الناصر العماري