+218 91 744 0500طرابلس – حي الأندلس
شعار حزب السلام والازدهارحزب السلام والازدهاربناء الدولة وإنقاذ الوطن

تحليل المشهد السياسي الليبي: جذور الأزمة وتحديات الحل

بشير الشيخي 6 د قراءة0 مشاهدة
تحليل المشهد السياسي الليبي: جذور الأزمة وتحديات الحل

يعيش الوطن اليوم لحظة حرجة جديدة، تتسم بحالة من الترقب الدولي والمحلي عقبَ الإعلان عن خطة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) التي خيّبت آمال الكثيرين. والمشهدُ القائم ليس بجديد؛ فالبلاد تدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة، تفضي فيها الحلولُ الترقيعية قصيرةُ المدى إلى م…

تمهيد: دوّامةُ الانسداد السياسي

يعيش الوطن اليوم لحظة حرجة جديدة، تتسم بحالة من الترقب الدولي والمحلي عقبَ الإعلان عن خطة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) التي خيّبت آمال الكثيرين. والمشهدُ القائم ليس بجديد؛ فالبلاد تدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة، تفضي فيها الحلولُ الترقيعية قصيرةُ المدى إلى مزيدٍ من التفكك المؤسسي وتمكين الفساد، في ظل صراعٍ جيوسياسي دولي وإقليمي يُدار على الأرض الليبية.

الجذور التاريخية والهيكلية للأزمة

لم تأتِ أزمتُنا المؤسسية من فراغ، بل هي نتيجةُ تراكماتٍ بنيويةٍ عميقة في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يمكن تلخيصها بما يلي:

أولًا: على الصعيد السياسي

  • ضعف الخبرة السياسية الوطنية بسبب قمع العمل الحزبي وتقييد المنافسة السياسية، ما حال دون تراكم الخبرة وقوّضَ فكرة المعارضة كرقيبٍ على السلطة.
  • إقصاء مؤسسات المجتمع المدني، مثل النقابات والاتحادات الطلابية، عن المشاركة الفاعلة، مما أفقدها دورها الرقابي والتنموي.
  • غياب التداول السلمي للسلطة وترسيخ ثقافة الهيمنة السياسية، حيث يُستبعد الخصوم وتُصادَر حقوقهم بدل إدماجهم ضمن إطار التعددية السياسية.

ثانيًا: على الصعيد الاقتصادي

  • اقتصادٌ ريعي أحادي الجانب يعتمد بصورة شبه كاملة على عوائد النفط، من دون استثمارها في تنويع القاعدة الاقتصادية أو تعزيز الاستدامة.
  • توظيف الموارد الوطنية لخدمة الهيمنة السياسية، إذ تُستخدم الإيرادات لشراء الولاءات وإدامة النخب الحاكمة.
  • إضعاف القطاع الخاص وتعزيز الثقافة الريعية التي تقوّض قيم العمل والإنتاج وتغذّي الفساد المالي والإداري.

ثالثًا: على الصعيد الاجتماعي

  • غياب عقدٍ اجتماعي جامع يحدد أسس العيش المشترك ويعزّز الانتماء الوطني فوق الانتماءات الجهوية أو العائلية.
  • سيطرة النظرة العائلية والمناطقية على تقلّد المناصب العامة على حساب الكفاءة والجدارة.
  • ضعف منظومة الرعاية الاجتماعية وسوءُ فهم العلاقة مع “الآخر” داخل الوطن، بما يغذّي الانقسامات والاحتقانات.

وهنا نُجمِلُ الأسبابَ الرئيسية لاستمرار الأزمة في خمسة أسبابٍ جوهرية:

  1. غياب ميثاق وطني توافقي يُحدِّد المبادئَ الفوقَ دستورية العليا وأُسُسَ إدارة السلطة والثروة.
  2. الفساد في إدارة الموارد الطبيعية، بما عمّق الفوارقَ الاجتماعية وشكّل أداةً لشراء الولاءات وإشعال الصراع.
  3. هيمنة ثقافة “المغالبة” واستبعاد الخصوم، بما قوّض الثقة بين المكوّنات السياسية.
  4. ارتهان القرار الوطني لمصالح خارجية متضاربة، في غياب تحالفاتٍ استراتيجيةٍ واضحة لليبيا.
  5. التدخل الخارجي المباشر في الشؤون الليبية، بما عطّل أيَّ مسارٍ مستقل نحو الحل.

التداعيات: من الدولة الهشّة إلى شبح التقسيم

أدّت هذه العواملُ إلى تداعياتٍ خطيرة، منها:

  • تفكك النسيج الاجتماعي وتوظيف النزاعات التاريخية لخدمة أجنداتٍ سياسيةٍ أجنبية.
  • تغيير ديموغرافي مقلق بسبب الهجرة غير الشرعية ومحاولات توطين المهاجرين.
  • انهيارٌ شبه كامل للخدمات الأساسية وتدنّي مستوى المعيشة.
  • تحوّل ليبيا إلى ساحةٍ لحربٍ بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية.
  • انتشار السلاح والفساد وتقلص الحريات العامة.

التحديات: من الوجودي إلى المؤسسي

تواجه ليبيا تحدياتٍ مصنّفةً إلى أربعة أنواع رئيسية: وجودية، واقتصادية، وسياسية، ومؤسسية.

1) تحديات وجودية

  • عدمُ التوازن الديموغرافي مقارنةً بجيرانها.
  • التغيّر السكاني القسري وتداعياته على الهوية الوطنية.
  • تهديداتٌ أمنية من الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة.
  • أطماعٌ إقليمية في الأراضي الليبية.

2) تحديات اقتصادية

  • الاعتماد على النفط في وقتٍ تتراجع فيه قيمتُه الاستراتيجية.
  • اختلالاتٌ هيكلية في المالية العامة وارتفاع الدين والعجز.
  • ثقافةُ الريع والفساد واستنزاف الموارد.

3) تحديات سياسية

  • أزمةُ ثقةٍ بين النخب السياسية.
  • غيابُ ثقافة الحوار والتوافق.
  • هيمنة النظرة التكتيكية قصيرة المدى على حساب الرؤية الاستراتيجية.

4) تحديات مؤسسية

  • تراجعُ قدرة الدولة على تقديم الخدمات.
  • تضخّم الجهاز الحكومي وغيابُ الإصلاح الإداري.

المقاربات الفاشلة وضرورة التحوّل

ما تزال المقاربات الدولية والمحلية تُركّز على “تقاسم السلطة” بين النخب المتنافسة، وهي مقاربةٌ أثبتت فشلَها على مدى عشر سنوات. والخطر الحقيقي هو تحوّل هذه المقاربة إلى “عرفٍ سياسي” يصعب كسره. الحلُّ الوحيد هو التحوّل نحو “بناء الدولة” عبر:

  • حوارٍ وطنيٍّ تأسيسي يضع ميثاقًا وطنيًا جامعًا.
  • مؤسساتٍ قائمةٍ على الكفاءة والمواطنة لا على المحاصصة.
  • رؤيةٍ استراتيجية بعيدة المدى يتشارك في تنفيذها جميعُ الفاعلين.

الفرص المتاحة ودور الليبيين

على الرغم من الصعوبات، توجد فرصٌ حقيقية يجب استغلالها:

  • تزايد الوعي بضرورة التغيير ووجودُ ميثاقٍ وطني.
  • انكشافُ زيف الشعارات السياسية السابقة.
  • تأكيدُ المجتمع الدولي — وإن كان متناقضًا — على منع اندلاع حربٍ شاملة بين أطراف الصراع، والتأكيدُ الدائم على ضرورة إنجاز حلٍّ سياسيٍّ توافقي.

وبناءً على ما سبق، وسعيًا إلى مساهمةٍ سياسيةٍ فاعلة في تقديم حلولٍ منهجيةٍ وعملية، عمل حزبُ السلام والازدهار منذ تأسيسه على دعم بناء مسارٍ سياسي وفق رؤيةٍ واضحة. وتمكّن، مع شركائه في تنسيقية الأحزاب ومؤسسة صُنّاع السلام والعديد من الأطراف السياسية والمؤسسات المدنية الأخرى، من صياغة مبادرةٍ وطنيةٍ رصينةٍ وعملية، قام بتنقيحها ودراستِها عددٌ كبير من الشخصيات الوطنية الفاعلة، وتم تقديمُها والإعلانُ عنها عبر جميع المنصات المحلية والدولية الممكنة.

كما أعرب حزبُ السلام والازدهار — من خلال عديد البيانات المنفردة والمشتركة مع تنسيقية الأحزاب والتكتلات السياسية، وكذلك عبر الحراك الشعبي الأخير — أن بداية الحل تكمن في إطلاق مسارٍ تأسيسي يعمل على معالجة جذور الأزمة وحلّ جميع الأجسام السياسية الفاقدة للشرعية القانونية والمشروعية الشعبية. وفي أكثر من مناسبة أعلن الحزبُ ترحيبَه ودعمَه الكامل للمسار الرابع المقترح في تقرير اللجنة الاستشارية، وندعو بعثةَ الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى تغيير المقاربة السياسية من تقاسم السلطة بين أطراف الصراع إلى مقاربةِ بناء الدولة عبر تبنّي الخيار الرابع من تقرير اللجنة الاستشارية. ونُذكِّرها أن دورَها طوال السنوات الماضية اتّخذ منهجيةَ إدارةٍ للأزمة عبر إعادة تدوير أدوات الصراع وتقديم معالجاتٍ قاصرة للتداعيات والعوارض، دون مساهمةٍ إيجابية في تقديم حلولٍ جذرية لأسباب الصراع.

وبات لزامًا اليوم على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تقديمُ معالجاتٍ فعّالة للأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها بعضُ موظفيها في السابق، والعودةُ إلى القيام بدورها الرئيسي المنوط بها في دعم بناء نظامٍ سياسي يحقّق السلامَ والاستقرارَ المستدام.

في الخاتمة

رسالتي إلى أبناء الوطن، شركاءِ الألم والأمل:

يا أبناءَ ليبيا الشرفاء، نعيشُ اليوم جميعًا قلقًا عميقًا على مستقبلنا مع أبنائنا في وطنٍ يمرّ بمرحلةٍ مفصليةٍ من تاريخه الحديث. ننظرُ بأسفٍ شديد إلى ممارساتٍ سياسيةٍ واقتصادية تقود صراعًا على المال والسلطة، فُقِدتْ فيه الحكمةُ وسادت المصالحُ الضيقة والارتباطاتُ الإقليمية والدولية على حساب مصلحة الوطن ومستقبله. إن الفكر النفعيَّ والاستئثارَ بالسلطة عبر سطوة السلاح والاستقواءِ بالأجنبي لن يعزّزا في ليبيا إلا الفسادَ والانهيار، وسيُغلِقا في وجه الشباب كلَّ نوافذ الأمل ويَسُدّا سُبُلَ التغيير السلمي عبر انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهة.

لقد قدّر اللهُ لنا أن نُحَمَّلَ في أعين الأجيال القادمة مسؤوليةَ بناء دولة الاستقلال الثانية. ويتطلّب ذلك منّا إفرازَ قياداتٍ قادرةٍ على تحقيق التوافق المجتمعي، تستوعب التنوعَ الفكري لليبيين، وتضمن حقوقَهم وتحمي حرياتِهم، وتصون مواردَهم من النهب الممنهج، وتمنع تزايد انتشار وباء الفساد أكثر فأكثر. ويجب علينا الحدُّ من التدخل السلبي للدول الأجنبية، والوقوفُ في وجه تغلغل التنظيمات السرية، وقوافلِ الهجرة غير الشرعية، وغيرها من التحديات التي تواجه حاضرَنا ومستقبلَنا على أرضِنا.

يا أبناءَ ليبيا، لا سبيلَ لنا إلا مواجهةُ هذه الصعوبات ومقارعةُ التحديات، عبر شحذِ الهمم وشدِّ العزم، واستحضارِ تضحيات الأجداد، ومخاطبةِ الضمائر والعقول لإعادة قراءة واقعنا بعقلانية، واستشرافِ مستقبلنا بمسؤولية. علينا أن نأخذ في الاعتبار النِّعَم التي حبانا الله إياها، والتي تتيح لنا إمكانيةَ تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية بمعدلاتٍ مرتفعةٍ ومستدامة، إذا تآزر المخلصون اليوم لمكافحة الفساد وغرسِ قيم المهنية في العمل، وإخلاصِ النية لإنقاذ الوطن وبناء الدولة. إن شعورَنا العميقَ بضرورة رفع الظلم عن جميع أبناء الوطن وتحقيق العدل في ربوع ليبيا يجب أن يكون الأساسَ والنبراسَ والمبدأَ الحاكم في رحلة علاج الوطن من كلّ الاختلالات الهيكلية في مؤسسات الدولة؛ تلك العللُ التي أنتجت أنظمةَ حكمٍ يصرُّ كلٌّ منها على إلغاء سلفه وإقامةِ نموذجٍ ينتهي غالبًا إلى ما انتهى إليه من سبقه.

إن ليبيا اليوم تقف أمام مفترقِ طرقٍ وجودي. والخياراتُ واضحة: إمّا الاستمرارُ في دوّامة الصراع والفساد، وإمّا الشروعُ في مسارٍ جادٍّ لبناء الدولة. هذه المعركةُ ليست معركةَ سلطة، بل معركةُ وجودٍ وكيان، وهي مسؤوليةُ جيلٍ كاملٍ أمام التاريخ والأجيال القادمة.

للتواصل والاطلاع على مشروع حزب السلام والازدهار، تواصلْ معنا أو زُر الموقعَ الرسمي.

بشير الشيخي
بقلمبشير الشيخيكل مقالات الكاتب

المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.