
منذ سنوات، تدور ليبيا في حلقة مفرغة من المبادرات الإنتقالية والإجتهادات السياسية، تنتهي كلها إلى نقطة الصفر، وتتكرر الوجوه والخيبات، وتغيب الدولة.
منذ سنوات، تدور ليبيا في حلقة مفرغة من المبادرات الإنتقالية والإجتهادات السياسية، تنتهي كلها إلى نقطة الصفر، وتتكرر الوجوه والخيبات، وتغيب الدولة.
ومع كل إخفاق، تتوالى "الخرائط" لتعيد رسم المسار نحو ما يُفترض أنه مخرج من الأزمة، لكنها في الحقيقة مجرد طرقات بديلة إلى مستنقع الإنقسام.
اللجنة الإستشارية وضعت أربع "خيارات"، يفترض أن ترسم طريق ليبيا نحو المرحلة الدائمة، لكنها، وبإستثناء الخيار الرابع، أعادت تدوير الوهم ذاته في ثوب جديد.
آن الأوان للقول بوضوح: الحل ليس في صيانة الأجسام القائمة، بل في مغادرتها؛ ليس في ترقيع دستور متنازع عليه، بل في مسار تأسيسي جديد وشجاع يؤسس لشرعية دائمة.
الخريطة الأولى: إعادة إنتاج الفشل
تقترح الخارطة الأولى مرحلة تمهيدية تُشكل فيها حكومة إنتقالية جديدة بإطار زمني لا يتجاوز 24 شهراً، تنحصر مهامها في تهيئة البيئة للإنتخابات، لتليها مرحلة إنتقالية أخرى في ظل مؤسسات منتخبة، وتنتهي عند إقرار الدستور الدائم.
من حيث الشكل، تبدو هذه الخريطة منطقية، لكنها عملياً مجرد إعادة إنتاج لمشهد فشل مراراً: حكومات إنتقالية بمهام محددة، تتحول إلى أطراف متصارعة؛ مواعيد إنتخابية مشروطة بإرادة سياسية غائبة؛ أجسام جديدة بولايات طويلة ومخرجات غامضة.
فهل نحتاج فعلاً إلى "تجربة جديدة بنفس الأدوات"؟ النتيجة معروفة سلفاً.
الخريطة الثانية: شرعية مبتورة بلا دستور
الخيار الثاني ينطلق من إنتخاب مجلس تشريعي جديد، يُعهد إليه لاحقاً إعداد الدستور.
هنا نُعيد إنتاج سيناريو "التشريع قبل التأسيس"، وكأننا لم نتعلم من كارثة المؤتمر الوطني العام.
كيف يمكن لمجلس تشريعي، مستند إلى شرعية إنتقالية، أن يضع دستوراً دائماً للبلاد؟ ما الضامن ألا يتحول إلى طرف يُعطل الدستور بدلاً من صناعته؟ وما الذي يمنع إحتكار كتلة إنتخابية متغولة للمسار التأسيسي كله؟
إن تشريعاً يسبق التأسيس هو بمثابة بناء سقف قبل وضع أساس، إنه خيار يحمل في جوهره خطر شرعنة الإنقسام بدل إنهائه.
الخريطة الثالثة: الدستور أولاً؟ لكن أي دستور؟
أما الخارطة الثالثة، فتقترح إعتماد الدستور قبل الذهاب إلى الإنتخابات، وهو يصطدم بعقدة جوهرية: لا يوجد إتفاق وطني جامع على مشروع دستور 2017، لا من حيث المضمون، ولا من حيث الهيئة التي أنتخبت منذ 11 سنة لانجاز مشروع الدستور خلال بضعة أشهر بعد انتخابها (حددت آنذاك) .. وقاطع عملها عدد من الاعضاء في ظروف مختلفة ، ولا من حيث المسار الذي أنتجه، كما أن الواقع السياسي الحالي يجعل أي مسار للإستفتاء على هذا المشروع عبوراً محفوفاً بالمخاطر، يُحتمل أن يُفجر صراعاً جديداً بدل أن يؤسس لتوافق وطني.
أما محاولة تعديل المشروع الحالي فستفتح أبواباً لا تُغلق من الخلافات، لن تُفضي إلى نتيجة في ظل إستمرار المؤسسات القائمة، التي يشكل بقاءها في ذاته عائقاً أمام أي توافق.
الخريطة الرابعة: البديل التأسيسي.. الفرصة الأخيرة لبناء الدولة
في مقابل الخرائط الثلاث التي تلتف على جوهر الأزمة، يطرح الخيار الرابع مساراً تأسيسياً حقيقياً، يبدأ من القطيعة مع كل الأجسام الإنتقالية ورحيلها بالكامل، وينطلق من تسوية سياسية تُفضي إلى الخروج المُتزامن لجميع الفاعلين الحاليين من المشهد، ويؤسس لمرحلة جديدة تتولى فيها لجنة حوار سياسي تشكيل مجلس تأسيسي موقت، يتولى التشريع، ويضع دستوراً مؤقتاً يستفيد من جميع المحاولات السابقة ، ويشرف على تهيئة البلاد لإنتخابات عامة نزيهة.
هذا المسار الذي يستند إلى المادة (4) من الإعلان الدستوري والمادة (64) من الإتفاق السياسي، لا يسعى لتجديد الشرعيات المهترئة، بل لبناء شرعية جديدة من الأساس، لا يهدف إلى صفقات بين القوى المتصارعة، بل إلى تحرير الدولة من الإبتزاز السياسي، عبر منع أعضاء المجلس التأسيسي والحكومة المنبثقة عنه من الترشح لاحقاً، لضمان الحياد والنزاهة.
ويمتاز هذا الخيار بعدة خصائص قد تجعله البديل العملي الوحيد القابل للتطبيق :
- خروج شامل للأجسام المنقسمة، ما يفتح الباب أمام مصالحة حقيقية.
- إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات على أسس مهنية ومستقلة.
- إنهاء فكرة المراحل الإنتقالية المتعددة، لصالح مرحلة تأسيسية وحيدة تنتهي بإنتخابات دائمة.
- تأسيس سلطة تنفيذية جديدة، منضبطة وغير مرتهنة للأجسام السابقة، تعمل على تفعيل مؤسسات الدولة وتوحيدها.
- فتح الباب أمام حوار وطني ومجتمعي شامل يعالج آثار الإنقسامات السابقة ويمهد للمصالحة.
ليبيا لا تحتاج إلى خارطة جديدة.. بل إلى بوصلة تؤسس لوطن لا يُدار بالتقادم
في لحظة مفصلية كهذه، لا نحتاج إلى خرائط طريق تكرس التدوير السياسي، بل إلى شجاعة فكرية تُقر بأن الاختلاف ليس في الاقرار بحتمية الدستور أو الإنتخابات كأهداف مرحلية في مسار الاستقرار وبناء الدولة الحديثة ، بل في الكيفية والأدوات والاليات التي تحققها . الخيار الرابع لا يعد بحلول سهلة، لكنه الخيار الوحيد الذي يُنهي سطوة الأجسام المهترئة، ويؤسس لدولة حديثة، تقودها شرعية تأسيسية يستفتأ الشعب على مخرجاتها الأساسية .
لقد أُستُنفدت المراحل الإنتقالية، وفقدت الإنتخابات معناها في ظل سلطات الأمر الواقع.
لم يعد ممكناً الإستمرار في بناء الدولة بمواد مستعملة، ليبيا تحتاج إلى تأسيس لمستقبل جديد، ونقطة الإنطلاق الحقيقية هي المسار التأسيسي.
المهندس عمر سالم الحبيشي
عضو الهيئة العُليا، وعضوالمكتب السياسي
المقالات تعبّر عن آراء كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الحزب الرسمي.




عبد الناصر العماري